قيل له : والباطن أيضا قد اختلفوا فيه ، كما ذكرنا ، فلا يجب أن يكون حقا ، على أن اختلاف الناس في الأمر لا يخرجه من أن يكون حقا ؛ لأن أدلة الفعل قد اختلفوا فيها ، بل نفس العلوم والمعارف قد اختلفوا فيها ، ولم يوجب كون ذلك باطلا ، وإنما كان يؤثر في كون الشيء حقا ، الاختلاف ، لو كان طريق إثباته حقا الاتفاق فيه ؛ فأما إذا علم كونه حقا بغيره فالخلاف غير قادح فيه .
فإن قالوا : فقد قال تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
، فدل بذلك على أن علامة كونه من عند غير اللّه حصول الاختلاف ، وعلامة كونه من عند اللّه تعالى زوال الاختلاف ، وذلك لا يصح في الظاهر ، فلا بد من باطن ، هذه حاله .
قيل له : ومن أين أن المراد بالآية ما ذكرته ؟ مع قولك : إنه لا ظاهر إلا وله باطن ؛ ثم من أين أن ظاهره مختلف ؟ ونحن نقول : إنه متفق ، ونبين ذلك من حاله . ثم من أين أن هناك باطنا لا يختلف مع ما قدمناه ، من أن الخلاف في الباطن أكثر منه في الظاهر -
يبين ذلك أنه : لا خلاف في كون الظاهر ، وإنما اختلفوا في المراد ، فالخلاف في الباطن حاصل من الوجهين ؛ لأنا نزعم أنه لا باطن أصلا ؛ ومن يقول :
إن هناك باطنا يختلفون في مائية « 1 » الباطن ؛ وقد حكى عن بعضهم أنه قال : إنه تعالى قد شهد لظاهره بالاختلاف ، فقال :
كِتاباً مُتَشابِهاً
وقال :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
؛ وقال :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
، ولا يصح فيما هذا حاله أن يكون دليلا ، فلا بد من باطن ، وهذا بعيد ؛ لأنا نزعم أن ذلك متفق غير مختلف . ونبين أنه مع ذلك فيه ما يدل بظاهره ، فيكون من
هامش
( 1 ) غير واضحة ولا معجمة في « ص » و « ط » .