فإن قال : لأنه لو كانت دواعيهم متوفرة لأتوا بمثله .
قيل له : إنما كان يجب ذلك لو أمكنهم مثله ، في قدر فصاحته .
فإن قال : لا بدّ من أن يمكنهم ذلك ؛ لأن طريقة الكلام لا تختلف ، فهذا يوجب أن يعتمد في قوله بالصرفة ، على أن لا مزية للقرآن ، ويعتمد في أن لا مزية ، على قوله بالصرفة ؛ وهذا يوجب أن لا نعلم صحة ما قاله .
فإن قال : إذا جاز ما قلته ، كجواز ما قلتموه ، فمن أين لكم أنهم عدلوا والدواعي إلى المعارضة قائمة ؟ .
قيل له : لأن هذه الطريقة تقتضيها حالهم ، التي كانوا عليها ، فلم ندّع إلا الأمر المعقول من العادة ؛ وأنت فقد ادّعيت الخروج عن العادة ؛ بقولك : إنهم صرفوا عن الدواعي إلى المعارضة وهذا مما لا بدّ فيه من دليل .
وبعد . . فإنا بينا ما تشهد له أحوالهم ، من أن عند المنافسة والتقريع لا بدّ من الدواعي ؛ وأنت فقد ادّعيت ما يخالف ذلك .
واعلم . . أن الخلاف في هذا الباب ، أنا نقول : إن دواعيهم انصرفت عن المعارضة ، لعلمهم بأنها غير ممكنة ، على ما دللنا عليه ، ولولا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم ؛ لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعا لمعرفتهم بأنها متعذرة ؛ وهم يقولون : إن دواعيهم انصرفت مع التأتى ، فلأجل انصراف دواعيهم لم يأتوا بالمعارضة ، مع كونها ممكنة ؛ فهذا موضع الخلاف ؛ وعلى المذهبين جميعا ، لا بدّ من من القول بأن دواعيهم انصرفت عن المعارضة ، لأن مع العلم بأنها متعذرة لا بدّ من ذلك عندنا ، وعندهم لا بدّ منه ؛ لأنه الوجه ، الّذي لأجله لم يأتوا بالمعارضة ، التي هي ممكنة لهم ؛ فالكلام هو في الوجه الّذي قدّمنا الخلاف فيه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 324
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٢٤