فإن قال منهم قائل : إن الأمر المتقدم ، وإن كان لا يجب أن يتناول امتثال ذلك الفعل على ما بينتم وجوبا ، لا يجوز خلافه ، فغير جائز أن يرد النسخ عليه لوجوه :
منها - أنه يجرى مجرى التعمية والتلبيس ، لأن ظاهره كالموضوع للتكرار والدوام ، ولا قرينة تصرف عن الظاهر ، وكما لا يجوز عليه تعالى النهى عما أمر به ، فكذلك لا يجوز عليه التعمية
ومنها - أنه يلتبس من حيث يمكن بيان الغاية فيه ، وإذا لم تبين فلا بدّ في المخاطب ، من أن يكون ملتبسا ، إن لم ير الجميع ، كما أنه إذا لم يذكر الشرط والوصف فلا بدّ من أن يريد المطلق ، وإلا كان ملتبسا ، والغاية في العبادة كالأوصاف والشروط ؛
ومنها - أن عند سماع الأمر المطلق يلزم المكلف ، فيما تناوله اعتقاد وعزوم « 1 » لا بدّ من أن يكون متناولا للمستقبل ، مطابقا لظاهر الأمر ، فلو جوّزنا النسخ لأدّى في تكليف هذا الاعتقاد ، وهذا الاعتقاد وهذا العزم إلى الفساد . . .
ومنها - أن تأخير النهى فيه تأخير لبيان المراد ، وإذا صح أن البيان لا يجوز أن يتأخر في سائر ما يتصل بالخطاب ، فكذلك لا يجوز تأخيره في هذا الباب ، ففقد البيان يدل على أن المراد به الدوام ؛ وإذا دل على ذلك لم يجز ورود النهى بعده .
واعلم . . أن الّذي قدمناه من قبل يسقط ما أوردوه ، لأنا قد دللنا على أن المخاطب لا يجب أن يعتقد فيما تناوله الخطاب الوجوب إلا مرتبا على ما علمه بالعقل ، فكما يجب أن يعتقد وجوب ذلك ما دام بصفة المكلف ، فكذلك
هامش
( 1 ) كذا في « ص » و « ط » ؟