فإن قال : أليس لو قطع هذا العوض عن المثاب لانتقصت منافعه ، فيلحقه تنغيص ، وذلك لا يصح ؛ فيه فيجب أن يكون ما يوفر عليه من العوض دائما .
قيل له : إنه تعالى إذا قسم العوض الّذي يستحقه على أوقات طويلة ، لم يمتنع أن يكون قدر الواصل إليه في كل حال مما لا يتبين عليه بالإضافة إلى ثوابه .
فلا يجب ما ذكرته ، ويصير في الحكم كأنه لم ينقطع إذا كان الحال هذه . فلا يؤدى إلى ما ذكرته .
وبعد ، فإنه لو علم نقصه كان لا يمتنع أن يعتد بذلك ، كما لا يعتد المثاب بزيادة مرتبة من ثوابه . فكما لا يجب في ذلك التنغيص والغم لأنه تعالى يقصر شهوته وغرضه على ما هو فيه ؛ فكذلك لا يجب مثله فيما سألت عنه .
وبعد ، فما الّذي يمنع من أنه تعالى يوفر العوض على المثاب قبل دخول الجنة ، فلا يبقى له عوض مستحق ولا يؤدى إلى أن ينقطع عنه في حال الثواب فيتبين نقصه ؟
وبعد ، فما الّذي يمنع من أن ينقطع عن المثاب ويتفضل تعالى عليه بإدامة مثله ، ويصير حال العوض مع الثواب كالتفضل الّذي وعد به تعالى للمثابين . فكما أن ذلك لا يبطل من حيث يجوز أن يقطعه فيلحق المثاب تنغيص لأن ذلك إنما يلحق بالقطع لا بتجويزه ، فكذلك القول في العوض إذا وصله تعالى بأمثاله من التفضل .
فإن قال : إنكم أحببتم عن المسألة فيمن ليس بمثاب أنه تعالى قد عوضه وإن لم يكن عاقلا فلا يجب أن يلحقه غم بتجويز انقطاعه ، وهذا لا يصح ؛ لأن من قولكم إن المعوض يعيده تعالى ويكمل عقله حتى يصير عارفا باللّه تعالى ؛ فالمسألة باقية .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 513
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥١٣