فإن قيل : فقد قلتم في أوّل الباب إنه تعالى إذا أوجب وأمر بالأضرار فقد يضمن العوض كما يضمنه فيما يبيحه ؛ فما الدليل على ذلك ؟ .
قيل له : إذا كانت الإباحة تقتضى تضمن العوض ، والإيجاب « 1 » ، فالأمر به بأن يقتضي ذلك أولى ؛ لأنه أزيد من الإباحة فيما يقتضيه من حسن الألم ، لأنه يقتضي حسنه ووجوبه ، أو تقتضى حسنه وكونه في حكم الندب . وإذا ثبت في الإباحة ما ذكرناه ، فبأن يثبت فيها « 2 » تضمن العوض أولى .
فإن قال : هلا قلتم إنه متى أوجب / الألم أنه لا عوض ؛ لأن من حق الواجب أن يستحق به الثواب ، والثواب في وجه حسنه يغنى عن العوض . فمن هذا الوجه يفارق الإيجاب الإباحة .
قيل له : إن الواجب على زيد إذا فعله فلا بد من أن يستحق به ثوابا ولا يجوز أن يستحق بما فعله من الواجب العوض على ما ذكرته . لكنه إذا وجب عليه أن يؤلم غيره ، فذلك الغير بما نزل به من الألم لا ثواب له ؛ فلا بد من تضمن العوض له كما قلنا في الإباحة . لأنا لم نقل إنه تعالى يضمن العوض للذابح الّذي هو فاعل الألم ، وإنما تضمن « 3 » ذلك للمذبوح . فكذلك إنما يضمن تعالى العوض فيما يوجبه من الآلام أن يفعل بالغير العوض للمفعول به لا للفاعل . وذلك مثل ما أوجب تعالى على الإمام أن يقيم الحد على التائب لأنه قد علم بتوبته أنه غير مستحق لذلك « 4 » ، وإنما أوجبه تعالى للعوض الّذي تضمنه . وكذلك القول في سائر ما نعتد به من جنس الآلام .
هامش
( 1 ) أي والايجاب أيضا يتضمنه .
( 2 ) في الأصل فيه .
( 3 ) في الأصل يتضمن .
( 4 ) أي لإقامة الحد .