وأما أبو هاشم ، رحمه اللّه ، فإنه يقول فيه : إنه من مصالح الدنيا لا من مصالح الدين ؛ وذلك لأن عنده أن إقامة الحد إنما تردع عن الإقدام على مثل ذلك الفعل خوفا من مثل هذا الحد . ومتى تجنبت المعصية على هذا الوجه لم يستحق الثواب ؛ لأنه يلزمه أن تترك القبيح لقبحه لا لمخالفة الحد / فإذا كان كذلك لم يثبت أنه مصلحة في الدين . فلا يلزم متى لم يقع لفقد الإمام أو لمعصيته أن يفعل « 1 » ما يقوم مقامه ، لأن مصالح الدنيا ليست واجبة عليه تعالى ، وإن ثبت أن فيها ما يكون صلاحا في الدين . فالجواب ما قاله أبو علي رحمه اللّه .
وهذا الخلاف هو في كونه لطفا للحدود ، فأما في كونه لطفا لنفس الإمام أو من يقوم مقامه ، فلا خلاف بينهما في أنه من مصالح الدين فيجرى مجرى العبادات في سائر الأحكام التي نذكره فيها .
فإن قيل : أفتقولون إن اللطف في القبيح مما يدخل فيه البدل أو يمتنع ، بمنزلة ما ذكرتموه من اللطف في الواجب ؟
قيل له : قد بينا أن هذا الباب لا يقع في فعله تعالى لأنه منزه عن فعل القبيح ، وبينا أن كل تكليف لا يتم إلا بفعل قبيح فإنه تعالى لا يفعله ، فلا يكلف من لا يصلح إلا عند قبيح من فعله « 2 » ، فلا مسألة علينا في أفعاله تعالى .
فإن قيل : هلا قلتم إنه تعالى يفعل ما يكون مفسدة لزيد ، ويختار « 3 » الكفر عنده إذا آمن عنده خلق عظيم ، ويكون وجه كونه صلاحا مؤثرا في كونه فسادا ؟ .
قيل له : إن من يذهب هذا المذهب ويجوّزه على اللّه عز وجل يقول فيه :
إنه يحسن ، ولا يجعل كونه فسادا لزيد مؤثرا في قبحه ، بل يعتبر أعم الأمرين في الفعل ؛
هامش
( 1 ) أي اللّه .
( 2 ) أي فلا يكلف الشخص الّذي لا يأتي الفعل الصالح إلا إذا أتى فعلا قبيحا .
( 3 ) أي يختار زيد .