فإن قال : هلا قلتم إنه يحسن منه تعالى أن يفعل الألم بالعبد لأنه تعالى مالك له ، فله أن يفعل فيه ما يشاء ؟
قيل له : قد بينا في الكلام على المجبرة أنه لا يحسن الألم منه تعالى لهذه العلة وأنه لا يخلو بذلك من كونه ظلما ؛ وبينا أن كونه ظلما لا يختص بفاعل دون فاعل ، فيجب أن يكون قبيحا منه تعالى لو فعله لا للعوض ، وبينا أن الّذي يخرجه من كونه ظلما لا يجوز أن يكون بعض أوصاف الفاعل نحو ( كونه ) مالكا أو ربا إلى غير ذلك . وبذلك يسقط قولهم إنه تعالى إذا كان هو المتفضل على العبد باخترامه وإحيائه « 1 » وبسائر أفعاله ، فيجب أن يحسن منه أن يؤلمه لا للعوض ؛ لأن جميع ذلك لا يخرج الألم من يكون ظلما ، فلا يجوز أن يحسن لأجله . يبين ذلك أن أحدنا إذا أنعم على غيره بتمليك ثوب إياه « 2 » لم يجز أن يحسن منه أن يأخذه من غير بدل ، وصار حاله في ذلك كحال من يتناول ذلك ممن لم يملكه من قبله . كذلك القول فيه تعالى إن كونه مخترعا « 3 » لنا ومنعما بسائر ما نحن عليه ، لا يوجب كون الألم الواقع منه حسنا من غير أن يتضمن العوض عليه .
فإن قال : إذا كانت « 4 » إدامة العافية تفضلا من قبله تعالى ، وكانت الآلام لا تقتضى إلا قطع ذلك ، وجب أن يحسن ذلك منه وإن لم يعوض عليه ؛ لأنه بمنزلة من يتفضل في المستقبل بمثل ما تفضل به من قبل ، وصار سبيله سبيل المعير منا غيره ما ينتفع به أن له أن يسلبه ذلك وإن غمه ، من غير أن يستحق عليه عوضا .
هامش
( 1 ) في الأصل وأحياه .
( 2 ) الأصح عربية أن يقال بتمليكه ثوبا .
( 3 ) أي خالقا ومبدعا .
( 4 ) في الأصل كان .