فصل في بيان حسن الضرر إذا قارنه الظن لنفع أو دفع ضرر
يدل على ذلك أنا كما نعلم حسن إزالة الملك ببذل معجل ، فقد نعلم حسنه ببذل مؤجل ؛ وإن كان في الوجه الأول يحصل اليقين وفي الوجه الثاني لا يحصل سوى الظن . بل يعلم في أكثر ما نتصرف فيه من اجتلاب المنافع ودفع المضار أنهما يحسنان عند الظن للنفع ودفع المضرة حتى يدخل في ذلك طلب الأرباح بالتجارات والصناعات ؛ ويدخل فيه العلاجات فيما نفعل من تناول الكرية ، أو نجتنب من تناول اللذيذ . وكذلك تحمل المشقة في طلب العلوم والآداب والأمور الرفيعة . وكل ذلك يبين أن تحمل المضار يحسن عند ظن النفع ودفع المضرة .
فإن قال : وكيف يجوز أن يحسن لأجل الظن وقد علمنا أنه كما يصدق « 1 » قد يكذب ، وكما تنكشف له حقيقة فقد يظهر أن لا حقيقة له .
قيل له : إنا لم نقل إنه يحسن لأجل المظنون فيلزم ما قلته ، وإنما حكمنا بحسنه لأجل الظن وعنده ، ولا بدّ من أن يكون حاصلا فتكون له حقيقة .
فإذا كان هو المعتبر في حسن ما يتحمله الظان من المشقة ، فسواء حصل مظنونه أم لم يحصل .
فإن قال : لو كان الظن هو المعتبر ، لوجب أن يحسن عنده متى حصل وإن / ظن فيه نفعا ينقص عن المضرة . فلما علم أنه لا يحسن إلا إذا ظن نفعا موفيا عليه ودفع مضرة أعظم منه ، علم أن المعتبر في حسن ذلك بمظنونه لا به « 2 » . فيجب أن لا يحسن إلا إذا علم مظنونه ، وفي ذلك إبطال ما قلتم .
هامش
( 1 ) أي الظن .
( 2 ) أي لا بالظن .