قيل له : أما الغريق فمتى غلب على ظنه أن سلامته فيما « 1 » ذكرته ، فحسن منه أن يبذله كما يحسن ممن يخاف أن تسرى الأكلة « 2 » التي في يده إلى سائر بدنه أن يقطعها لسلامة نفسه . ولا فرق بين الموضعين البتة . وأما إذا أمكنه تخليص نفسه من ذلك فقبيح منه بذل طرفه منه ، كما يقبح منه قطع يده للأكلة إذا أمكنه تخليص نفسه من دون قطعها . وأما من ينجيه من الغرق ، فإن كان له في كسر يده غرض ضخم « 3 » ، فإنه يحسن منه كسر يده لما فيه من الغرض وإن أمكنه أن يخلصه مع السلامة ؛ لأن له أن يجتلب بما يفعله من المضرة منفعة . فأما إن لم يكن له غرض ، فيجب أن يقبح منه ذلك لأنه عبث لا لأنه ظلم على ما تقدّم القول به . وقد شبه ذلك شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه بتحمل الرجل الكلفة في افتضاض البكارة لما كان له في ذلك غرض وكان لها « 4 » فيه أيضا بغية ، وهذا ظاهر .
فإن قال : أيحسن من الإنسان أن يضر بغيره لدفع الضرر عن نفسه كما يضر بنفسه لدفع ضرر أعظم منه عنها ؟
فإن قلتم : إن ذلك يحسن لزمكم أن يحسن من الإنسان أن ينفع غيره بالإضرار بغيره كما ينفع نفسه بالإضرار بها ، وهذا يوجب حسن الظلم .
وإن قلتم : إن ذلك لا يحسن ، قيل لكم : فيجب أن لا يحسن من الواحد منا أن يدفع عن نفسه من يريد نفسه أو ماله لضرر ، وقد ثبت حسن ذلك في العقول .
قيل له : متى كان الضرر الّذي يدفعه حاصلا « 5 » من جهة غيره وإنما يتمكن من دفعه بدفع ذلك الغير ، فإنه يحسن منه أن / يدفعه بوجه مخصوص ؛ لأنه أن
هامش
( 1 ) في الأصل بما .
( 2 ) الأكلة الحكة كالأكال .
( 3 ) في الأصل غرضا ضخما .
( 4 ) أي للمرأة .
( 5 ) في الأصل حاصل .