فصل في أن الألم قد يحسن لدفع ضرر أعظم منه
يدل على ذلك أنه قد يحسن من أحدنا تخليص النفس من عظيم المضرة بيسيرها ، لأنه عند الخوف من السبع يحسن « 1 » منه العدو على الشوك ، وعند قرب النار منه يحسن منه الهرب على وجه يشق . وكذلك عند البرد الشديد ونزول الثلج ، وعند تهديد الظالم . وكذلك فقد يحسن منه عند حلول الأمراض التعمل للعلاج الشديد لكي يتخلص « 2 » من دوام المرض . وعلى هذا الوجه يحسن من العقلاء عند الفقر أو الخوف من الفقر تحمل المشقة بالصناعات والتجارات لإزالة ذلك . وعلى هذا الوجه نبنى الكلام في وجوب النظر في طريق معرفة اللّه ، لأنه على ما بيناه يتحرر بها « 3 » من الخوف العظيم الّذي أورده الداعي والخاطر . وكل ما ذكرناه يعلم العقلاء حسنه إذا وقع على هذا الوجه باضطرار « 4 » ؛ لأنهم متى علموا من حال الضرر حصول دفع ضرر عظيم واقع أو كالواقع ، علموا حسن ذلك باضطرار . وإنما تلتبس الحال في ذلك متى لم يعلم من حال الضرر ما وصفنا بأن يجوز للمتحمل « 5 » للمضرة أن يندفع عنه الأعظم من دونه ، أو يجوز أن لا يندفع به أصلا ، أو يجوز أن يندفع بغيره كما يندفع به ؛ أو يعتقد أنه لا تأثير له في دفع ذلك وإن اندفع عنه ، إلى غير ذلك من الشبه .
وأما إذا علم ما ذكرناه ، فلا شبهة عليه في استحسان هذا الضرر ؛ بل قد يعلم وجوبه عند ذلك . وربما صار ملجأ إليه ، والإلجاء آكد في بابه من / الإيجاب ؛ لأن
هامش
( 1 ) في الأصل ويحسن .
( 2 ) في الأصل يتخلصونه .
( 3 ) في الأصل به .
( 4 ) أي يعلمونه باضطرار أي علما ضروريا .
( 5 ) في الأصل المتحمل .