واعلم أنا قدمنا من قبل أن كل ما كان له حظ في التمكين لا مدخل له في المفسدة ؛ وقد بينا أن حقيقتها « 1 » تقضى « 2 » بعدم التمكين لها ؛ فإذا صح ذلك ، وقد علمنا أن تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه في ادّعائه النبوّة وإظهاره الشريعة لا يصح إلا بعد بعثته وادّعائه وظهور المعجز عليه ، فهو إذن تمكين .
وكذلك فإن محاربته على النبوّة لا تصح إلا بعد البعثة ، فهو تمكين / أيضا من ذلك ؛ فكما يحسن منه تعالى تكليف من يعلم أنه يكفر ، فكذلك يحسن منه تكليف السؤال من يعلم أنه يكفر بها « 3 » ويكذب .
فإن قال : فأنتم تقولون إن النبي صلّى اللّه عليه لم يبعث إلى أحد إلا وشريعته لطف له ، فكيف يصح ما ذكرتم ؟
قيل له : إنا لا ننكر كون ذلك لطفا في غيره من العبادات لأنه لو قام بذلك لصلح فيما كلفه عقلا ، لكنه لما لم يقم به فسد في الأمرين وأتى من نفسه فيهما .
وقد بينا من قبل أن اللطف من فعل العبد لا يجب أن يجبر عليه ، بل متى مكن منه كفى .
وكذلك القول في المفسدة من فعله أنه لا يجب أن يمنع منها ، وإنما يجب أن يمكن من تركها ؛ وفي ذلك إسقاط هذه المسألة ونظائرها .
شبهة أخرى
قالوا قد علم كل عاقل أن تعريف المكلف أنه من أهل الجنة يجرى مجرى المفسدة لأنه عند ذلك يأمن أن يموت على معصية ، فيكون أقرب إلى أن يقدم
هامش
( 1 ) أي المفسدة .
( 2 ) في الأصل تقتضى .
( 3 ) أي النبوّة .