أي وجه يؤمنون عنده . وإن لم يكن ذلك في ظاهره ، بطل تعلقهم بالظاهر ، وصاروا بما ذكروا أنه المراد متأوّلين للآية على ما لا يقتضيه ظاهرها ، كما نفعله نحن إذا حملناها على أن المراد بها الإلجاء ، فكيف يصح تعلقهم بما ذكروه ؟
وبعد : فإن قوله تعالى
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
في ظاهره ما يبين ما قلناه ؛ لأنه نسب اجتماعهم إليه تعالى ، فلا بدّ من أن يكون ما اجتمعوا عليه - أو ما أوجبه - من قبله ، ولا يكون إلا بالإلجاء .
فإن قال : فقد يقال ذلك إذا قوى دواعيه فاجتمعوا لأجلها كما قال تعالى
وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
« 1 » .
قيل له : قد يقال ذلك لكن الوجه الأول أقوى في الاستعمال ، وأقرب إلى الحقيقة من حيث فعل بهم ما يوجب فيهم الاجتماع ؛ فبأن نحمل الظاهر عليه أولى .
وأما قوله
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
ففي آخره ما يدل على ما قلناه ، وهو قوله
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
. فلولا أن المراد بالكلام طريقة الإكراه لم يكن لهذا الكلام معنى .
وأما قوله تعالى
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
ففيما قبله دلالة على المراد به بخلاف ما توهموه ، وهو قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
.
فخبر تعالى عن حالهم في الآخرة وقت حلت بهم العقوبة ، وأنهم يطلبون عند ذلك الرجعة والخلاص مما عاينوه ، فقال تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
يعنى ما التمسه المجرمون من الخلاص والنجاة ، لأنه متى لم يحمل على هذا القول لم يتعلق بما تقدم ولا جرى مجرى الجواب له .
هامش
( 1 ) يريد أن المقصود بالآية أنه تعالى لو شاء لهداهم مجتمعين متألفين والآيةوَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْمن سورة الأنفال رقم 63 .