فلما ثبت بالدليل أنه تعالى لا يختار إثابة من ليس بمكلف ، ولا إثابة المؤمن بمثل منزلة الأنبياء ، ولا معاقبة الفاسق بمثل عقوبة الكفار ، ولو فعل كل شيء يقدر عليه ، ولم يوجب ذلك تعجيزه ، فكذلك لا يجب ما ذكرتموه .
ثم يقال لهم : إذا لم تصفوا القديم بالقدرة على أن يقدر العبد على فعل يختار سائر المكلفين الإيمان عنده ، لزمكم التعجيز ؛ ومتى أزلتم ذلك عنكم بأن ذلك لا يرجع إلى القدرة ، وإنما يرجع إلى أن المكلف لا يختار عندما يفعله الإيمان ، أجبنا بمثله عما ذكرتم .
ثم يقال لهم : متى لزمكم ذلك في العبد ، فلم صار زيد بأن يفعل ما يختار عمرو الإيمان عنده أولى من أن يفعل / عمرو ما يختار زيد الإيمان عنده ؟
وهذا يؤدى إلى أن نفس اللطف يكون ملطوفا فيه من « 1 » كل واحد منهما ، وهذا محال .
ثم يقال لهم : إذا لم تصفوه تعالى بلطف يختار المؤمن عنده من الطاعات ما يبلغ به منزلة الأنبياء فقد عجزتموه .
فإن قلتم : إنما لا يجب ذلك لأمر يرجع إلى حال العبد ؛ قلنا بمثله فيما ذكرتم .
ومتى التزمتم ما ذكرناه ، لزمكم أن تجوّزوا ، بل توجبوا أن لا يتفاضل المكلفون في المنازل المستحقة . وهذه الوجوه وغيرها مما لو ذكرناه لطال ، يسقط ما حكيناه عنهم من التعجيز .
فأما قولهم : إذا كان في مقدوره ما لو فعله بالمؤمن لكفر ، فيجب أن يقدر على ما لو فعله بالكافر لآمن ؛ فالذي قدمناه يسقطه . لأنا قد بينا أن ذلك لا يرجع
هامش
( 1 ) في الأصل ملطوفا فيه من الخ ، والأفضل ملطوفا به في كل الخ .