بقوله : «
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
» ؛ وأنه إذا أنزله على صفة الإنس ، فحالهم في أن لا يقبلوا كحالهم الآن ، فلا وجه لإنزال الملك على الوجه الّذي طلبوه ، وفي ذلك تنبيه على أنهم لو آمنوا عند ذلك لكان « 1 » يفعله تعالى ، وإلا لم يكن للكلام معنى ، وقوله سبحانه :
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
« 2 » ، يدل أيضا على ما نقوله ؛ لأنه تعالى بيّن ما لأجله يفتنهم ، ولذلك ذمّهم على ترك الاتعاظ والاعتبار ، مع أنه تعالى إنما يفعله لهذا المعنى ، وهذا واضح في أنه سبحانه يدبر عباده على هذه الطريقة .
وليس لأحد أن يقول : فيجب في اللطف أن يصح مع وجوده أن لا يطيع المكلف ، وذلك لأن نفس ما يفعله إذا كان لطفا ، فلا بدّ عند حصوله من أن يطيع المكلف ؛ وإن كان اللطف في التفكير فيه وأحواله ، فغير ممتنع أن يعدل المكلف عنه فلا يحصل لطفا له ؛ لأن اللطف هو فكرة فيه وتأمّله واستحضاره العلم بأحواله أو الاستدلال به . فإذا لم يفعل ذلك أتى من قبل نفسه ، كما أن بعثة النبىّ عليه السلام وإن كانت « 3 » لطفا فمتى عدل المكلف « 4 » عن النظر فيما تؤدّيه ، يكون قد أتى من قبل نفسه ، ولا تمنع البعثة من أن تكون مصلحة ولطفا .
وقوله تعالى في هذه الآية : «
مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
» يؤكد ما نقوله ؛ لأنه نبه على أن فعله لذلك يختلف بحسب ما يعلمه صلاحا ولو كان يفعله / لغير هذا الوجه لم يكن للفرق بين الأمرين معنى .
ويدل على ذلك قوله تعالى : «
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
« 5 » » ، فنبه بذلك على ما يجرى مجرى التسلية له صلّى اللّه عليه وسلم ،
هامش
( 1 ) في الأصل : لقد كان .
( 2 ) قرآن : سورة التوبة : 136 .
( 3 ) في الأصل : كان .
( 4 ) في الأصل : المكلف به .
( 5 ) قرآن : سورة البقرة : 140 .