Skip to main content

المغني في أبواب التوحيد والعدل — Page 528

Contributors:

P.528

فصل في بيان ما يجوز أن يكلف العبد من الأفعال وما لا يجوز

قد بينا أنه لا يجوز أن يكلّف ما إذا وقع وقع قبيحا ، وما إذا وجد لم يكن له صفة زائدة على حسنه . ومتى كان له صفة زائدة على حسنه وكان معنى المشقّة يحصل فيه وأحوال المكلف على ما قدمناه حسن تكليفه . ولا معتبر في هذا الباب أن يتعلّق بدين أو دنيا ؛ لأنه قد كلف الإنسان اجترار / المنافع ودفع المضار في نفسه وفيمن يمسّه أمره ؛ كما كلّف ما يتعلق بأمر الدين . ولذلك يستحق الإنسان الذمّ إذا لم يفعل ما يتحرّز به من المصائب في الدنيا ؛ كما يستحق ذلك في باب الدين ولا يجوز أن يستحق الذمّ بألا يفعل الشيء إلا ومتى فعله يستحقّ المدح مع السلامة . فأمّا ما ينتفع به من الأكل والشرب فلا يخلو من أحد أمرين . إما أن يبلغ حدّ الإلجاء فلا يكلّفه الإنسان ؛ لما قدمناه ، أو لا يختصّ بصفة زائدة على كونه حسنا فلا يحسن تكليفه لخروجه من أن يختصّ بمدح أو ذمّ ، ولزوال معنى المشقّة فيه . وقد بينا أنه يجوز على جهة التوسّع أن يقال : إنه - تعالى - كلف المرء ألّا يفعل ما يشتهيه من القبيح أو ما شقّ عليه الامتناع منه ، وإن لم يكن مشتهيا . فأمّا ما يكره من المكلف وينهى عنه ويكلف الامتناع منه فلا بدّ من أن يختصّ بصفة القبح ، ولا قبيح يحصل العبد ملجأ إلى ألا يفعله إلّا ويجوز أن يتناوله التكليف لأن جميعه يتساوى في أنه يستحق الذم بفعله . ومتى لم يفعله على بعض الوجوه يستحق به المدح . ولا فرق بين أن يقبح لأمر يتعلق بالدنيا أو بالدين في هذه القضية ؛ لأن العلة فيهما واحدة . وقد بينّا أن الغرض بالتكليف تعريض المكلف للثواب ، وأن من حق ما كلفه على / جهة الإيجاب أن يستحق بألا يفعل العقاب وإلّا لم يحسن من الحكيم إيجابه فإذا صحّ ذلك فيجب في كل فعل له مدخل في استحقاق المدح عليه أن يجوز أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — Page 528 | القاضي عبد الجبار الهمذاني