فان قالوا : أليس قد أمر تعالى بفعل ما علم أنه لا يكون ، ولم يوجب « 1 » أن يكون أمرا بتجهيل نفسه . فهلا سوغتم مثل ذلك لنا في أمره تعالى العبد بترك ما أراد كونه .
قيل لهم : انّ تجهيل الحي انما يصح بفعل ما يصير به جاهلا ، كما أن تحريك المحل انما يصح بفعل ما يصير به متحركا . وقد علم أن ما يصير به تعالى جاهلا - تعالى عن ذلك - من وجود جهل لا في محل ، يستحيل وجوده . فالأمر بتجهيله أو القدرة على ذلك محال .
ومن قولهم : انّ كون العبد فاعلا لما لم يرده تعالى يوجب غلبته / وقهره ، وذلك صحيح منه . فيجب أن يكون الأمر به والقدرة على اقداره عليه أمرا لهم بأن يغلبوه ، على ما ألزمناهم .
فان قالوا : انما نقول انّ تركه لما أراده جل وعز « 2 » يدل على ضعفه ، وعلى أنه مغلوب مقهور ، لا أنه يوجب كونه كذلك ، كايجاب العلل لما توجبه . وإذا كان ذلك قولنا لم يبطل بما ذكرتموه .
قيل له : انّ الّذي ذكرناه يلزم على هذا القول ، لأن الدلالة لا تدل الا على صحة ؛ فيجب أن يكون تعالى إذا أمرهم بذلك أن يكون قد أمرهم بالدلالة على غلبته وقهره ، وأن يكون ذلك صحيحا منهم . وفي ذلك ايجاب كونه تعالى بهذه الصفة ، تعالى عن ذلك « 3 » .
ونحن وان قلنا إنه قد أمر العبد بفعل ما علم أنه لا يكون ، فلا يلزمنا ذلك ، لأن الدلالة قد تقدمت لنا على أنه عالم لنفسه ، فما اقتضى خلاف
هامش
( 1 ) يوجب : يجب ط
( 2 ) جل وعز : تعالى ط
( 3 ) تعالى عن ذلك : ساقطة من ط