تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد وعالم الآخرة — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
ومحرقة بحيث إذا تأملها الناظر لما احتمل إنّها ستصبح يوماً موضعاً لكل هذه البساتين الغنّاء والأزهار الجميلة والشلّالات والطيور المتنوعة وأفراد الجنس البشري . ولا ندري على وجه الدقّة كم مضى على تلك اللحظة ، ولعلها تمتد إلى خمسة آلاف مليون سنة ! مضت آلاف ملايين السنين والأرض ساخنة ومحرقة . ثم اتحد غاز الهيدروجين مع الأوكسجين في أجواء الأرض ليكونا بخار الماء ، وبردت الطبقات العليا من الجو بمرور الزمان فاشبعت ببخار الماء فبدأت سيول الأمطار الرهيبة . إلّاأنّ الأرض كانت على درجة من السخونة بحيث لم تخترقها الأمطار ، فكانت تتحول بخاراً قبل ملامستها فترتفع إلى الأعلى ، وهكذا بقيت البحار لسنوات مديدة - ربّما ملايين السنين - تائهة معلقة ما بين الأرض والسماء ! فلم يكن لها من سبيل إلى الأرض ولا إلى جو السماء ، فكلما حاولت أن تقترب من الأرض لم تدعها الحرارة ، وحين كانت تندفع إلى السماء لم يكن لها القدرة الكافية لحل كل ذلك بخار الماء ، فكانت دائبة الحركة . إلّاأنّ تلك الحركة أخذت تبرّد الأرض بالتدريج وتحد من جماحها . فعادت المياه إلى الأرض ، حيث تقبلتها ودعتها تستقر في الحفر ، لكن لم يكن يسمع في الكرة الأرضية سوى صوت الرعد والبرق وزئير الشلّالات وأمواج البحار وصرير العواصف . فلم تتفتح وردة ولابرعم ، كما لم تكن هناك فراشة تلقح الأوراق ولا أصوات لرفرفة أجنحة الطيور التي تحلق على شكل أسراب وجماعات لتحطم حاجز الصوت المرعب لتلك المقبرة ، لا صوت حشرة ولا تغريد بلبل . . . كان الصمت سائداً في كل مكان ! وفجأة حدثت ثورة عجيبة وحادثة فريدة فقد ظهرت أولى الكائنات
المعاد وعالم الآخرة — صفحة 78 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي