فإن قال قائل : إن السؤال والجواب إنما يتم مع الأكفاء والأمثال ، واللّه منزه عن ذلك . فكيف تمكن المناظرة مع اللّه ؟ ولهذا قال تعالى :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
« 1 » .
فالجواب عنه من وجهين : الأول : إن المناظرة مع اللّه ، إذا كانت ممتنعة كان إيراد هذا السؤال من اللّه يجب أن يكون عبثا ، وذلك يقتضي القدح في كلمة اللّه تعالى .
الثاني : إن القرآن قد دل على أن هذه المناظرة غير ممتنعة . ويدل عليه آيات : أحدها : قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
« 2 » وثانيها : قوله تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
« 3 » وثالثها : قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ، لَقالُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
« 4 » ورابعها : قوله تعالى :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ، وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
« 5 » ؟ [ ومعلوم « 6 » ] أن المراد منه : إنا أمهلناكم وأزلنا عذركم [ حتى لا يبقى لكم عذر « 7 » ] ولا حجة علينا .
وخامسها : قوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
« 8 » ومعلوم أن تلك المجادلة إنما تكون مع من يطالبها ويجانسها . وما ذاك إلا اللّه تعالى .
فيلزم أن تكون مجادلة العبد مع اللّه . وسادسها : قوله تعالى حكاية عن الكفار :
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى . وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
« 9 » ؟ ثم لم يقل في
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، آية : 23 .
( 2 ) سورة المائدة ، آية : 19 .
( 3 ) سورة النساء ، آية : 165 .
( 4 ) سورة طه ، آية : 134 .
( 5 ) سورة فاطر ، آية : 37 .
( 6 ) من ( ط ، ل ) .
( 7 ) من ( ط ، ل ) .
( 8 ) سورة النحل ، آية : 111 .
( 9 ) سورة طه ، آية : 125 .