تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
يفعل ما عنده يحصل الضحك والبكاء ، يقال : أضحكني كلامك ، وأبكاني وعظك . والثاني : سلمنا : أنه عبارة عن فعل الضحك والبكاء . لكنه إخبار عن أمر في الماضي . فيقتضي ذلك مرة واحدة . فلم قلتم : إن ضحكنا وبكاءنا هو تلك المرة ؟ . وأما قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
فهو محمول على الإقدار والتمكين . كما يقال : سير الأمير جنده إلى بلدة كذا . فإن الفهم يسبق إلى ما ذكرناه . وأما قوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ . وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
فنقول : الفعل دل على امتناع وقوع الأثر الواحد بمؤثرين ، فوجب أن يحمل أحد الجانبين على المجاز . ثم إن الرمي يذكر ويراد به الإضافة . يقال : رمية من غير رامي . فكان التقدير : وما رميت عن علم ومعرفة وجزم بحصول المقصود . ولكن اللّه رمى ، أي ولكن اللّه أوصله إلى المقصود . وأما قوله :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
فالسؤال عليه ما تقدم في قوله :
أَضْحَكَ وَأَبْكى
فإنه إذا قيل أخرج الأمير فلانا من البلد ، لم يفهم منه البتة : أنه فعل منه ماهية الخروج ، بل السابق إلى الافهام : أنه كلفه بالخروج وألجأه إليه . سلمنا : أنه يقتضي نفس الخروج ، ولكنه لا يقتضي إلا مرة واحدة . فلم يتناول محل النزاع : والجواب : إن جميع الوجوه التي ذكرتموها عدول عن الحقيقة إلى المجاز . وذلك خلاف الظاهر . وليس لهم أن يقولوا : دلت الدلائل العقلية على فساد القول بأن اللّه تعالى موجد لأفعال العباد ، فلا جرم حملنا هذه الآيات على مجازاتها . لأنا نقول : قد سبقت دلائلنا العقلية ، بحيث بلغت في القوة إلى قلع الجبال ، وهدم السماوات . الحجة الرابعة : قوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
« 1 » وقوله :
إِنَّ اللَّهَ
هامش
( 1 ) سورة البروج ، آية : 16 .