تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وثانيها : تنزيل الشيء منزلة غيره . قال تعالى :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ؟
« 1 » والتقدير : هل ننزل المصلحين منزلة المفسدين ؟ وكقول القائل إذا نزله منزلة العدو : إنك جعلتني عدوا لنفسك . وثالثها : الإقدار على الشيء ، والتمكين منه . يقال : جعل فلان أميرا وقاضيا . إذا نصب لذلك . قال تعالى :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
« 2 » وقال :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً
« 3 » والمراد منه : النصب لذلك الأمر ، والتعيين له . إذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
: أحد هذه الوجوه ؟ أما الحكم والتسمية فظاهر . ولا يقال : هذا باطل من وجهين : الأول : إن كل مسلم فإنه يستحق أن يسمى مسلما . فأي فائدة في طلب ذلك من اللّه تعالى ؟ الثاني : إن المسلمين يصفون المسلمين بالإسلام . وعلى هذا التقدير لا يبقى بين الجعل الصادر من اللّه تعالى ، وبين الجعل الصادر من كل أحد من آحاد المسلمين فرق . لأنا نجيب عن الأول : بأن الإسلام أعظم الخصال الحميدة ، فإذا وصف اللّه عبدا بذلك ، كان ذلك أشرف المناصب وأعلاها . فلا جرم يحسن طلبه من اللّه تعالى . ونظيره : ما حكى اللّه في قوله :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
« 4 » . وعن الثاني : إن اللّه تعالى إذا وصف عبدا بخصلة شريفة ، كان ذلك يوجب من التعظيم والتقديم ما لا يوجبه وصف كل الخلق له بتلك الخصلة . ألا ترى أن الملك العظيم إذا وصف إنسانا ببعض صفات المدح
هامش
( 1 ) ص 28 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : 124 . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية : 73 . ( 4 ) سورة الشعراء ، آية : 84 .