تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
والثاني : إن كل جسم فهو مركب من [ جزءين ، فصاعدا « 1 » ] وكل مركب فإنه يحتاج إلى كل واحد من أجزائه ، والجوهر المجرد لا يجب أن يكون منقسما إلى جزءين . فكان هذا النوع من الحاجة زائلا عن الجوهر المجرد . الثالث : إن النفس تفعل في البدن . أما البدن فإنه لا يفعل البتة في النفس أثرا . والفعل يناسب القوة ، والانفعال يناسب الضعف . الرابع : إن الأجسام متماثلة في ذواتها ، وفي تمام ماهياتها . وإذا كان الأمر كذلك ، امتنع أن يكون لها أثر في الغير . فإن أثّر جسم « 2 » في جسم فذلك التأثير إنما كان لأجل الأعراض القائمة به . وقد عرفت : أن أضعف المراتب هو الأعراض ، فلما كان تأثير الجسم في غيره بواسطة الأعراض ، وجب أن يكون تأثير الجسم في غيره تأثيرا ضعيفا . وأما تأثيرات النفوس ، فهي تأثيرات قوية ، قاهرة فوجب أن تكون النفس أقوى من الجسم . الخامس : إن البدن بعد مفارقة النفس ، بقي ما فيه من الجسم وما فيه من العرض . ثم إنه يصير بعد الموت فاسدا باطلا عفنا . وأما حال تعلق النفس بالبدن ، فإنه بقيت تلك الأجزاء مصونة عن العفونة والفساد ، موصوفة بالنقاء والنظافة والطهارة . فثبت بما ذكرناه : أن النفس أقوى حالا من الجسم ، وأن الجسم أقوى حالا من العرض . وهذا يدل على أنه لا مناسبة لقوة النفس إلى قوة العرض الحال في الجسم بوجه من الوجوه . المقدمة الثالثة وهي في بيان أن هذا الاعتبار يدل على أن النفس لا تموت بموت البدن : والدليل عليه : إن موت البدن ليس عبارة عن فناء تلك الأجسام ، فإنها باقية بتمامها ، وإنما موت البدن عبارة عن زوال الأعراض التي كانت قائمة به [ حال اعتدال المزاج قبل موتها « 3 » ] وفنائها . والمزاج المعتدل عبارة عن كيفية
هامش
( 1 ) من الهيولى والصورة ( م ) . ( 2 ) الجسم ( م ) . ( 3 ) سقط ( ط ) .