تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
التوقيت . فإن الرجل قد يقول لغيره : آتيك إذا طلعت الشمس ، وآتيك إذا جاء الربيع . وتحقيق هذا المعنى : إن مجيء الرجل مجهول ، وطلوع الشمس معلوم ، فيقرن هذا المجهول بذلك المعلوم ليصير ذلك المجهول بسبب هذا الاقتران معلوما ، ولهذا المعنى قال أهل التحقيق : « التوقيت عبارة عن قرن متجدد موهوم ، بمتجدد معلوم ، إزالة للإيهام » . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إن البديهة الصحيحة ، والفطرة الأصلية حاكمة بصحة هذا التوقيت ، وعليه مدار الأمر في التواريخ المستقبلة ، فإنها عبارة عن تعريف وجود الأشياء التي تكون مجهولة الوقوع ، بالأوقات المعلومة المستقبلة . وكذا القول في التواريخ الماضية ، فإنها عبارة عن تعريف وقوع الأشياء « 1 » التي يكون وقوعها مجهولا بالأوقات المعلومة الماضية . إذا عرفت هذا فلنبحث عن معنى قولهم : آتيك إذا طلعت الشمس . فإنه لا معنى « 2 » لهذا الكلام إلا أن القائل يقول : آتيك في الوقت الذي تطلع فيه الشمس ، وهذا تصريح بإثبات وقت واحد بعينه يحصل فيه مجيء هذا القائل ، ويحصل فيه طلوع الشمس . فنقول : ذلك الوقت الذي حكمت الفطرة السليمة . بجعله ظرفا لهذا المجيء ، ولطلوع الشمس . إما أن يكون شيئا باقيا ثابتا ، أو شيئا سيالا منقضيا ، والأول باطل ، وإلا لكان حاصلا في الحال ، فوجب أن لا يكون منتظرا ولا مستقبلا . وبديهة العقل حاكمة بأن ذلك الوقت غير حاضر في الحال بل هو منتظر الوجود . فثبت أنه أمر سيّال . ثم ذلك السيال إما أن يكون [ شيئا « 3 » ] من جنس حركات الأفلاك والكواكب ، أو صفة من صفاتها ، أو يكون موجودا مغايرا لهذين القسمين . والأول باطل ، لأن ذلك الوقت شيء حكمت الفطرة السليمة بكونه ظرفا للحركة الفلكية ، وظرف الحركة الفلكية لا يكون نفس الحركة الفلكية ، فإنه لما قال : آتيك إذا طلعت الشمس . فمعناه : آتيك في الوقت الذي يكون ظرفا لطلوع الشمس . وأما
هامش
( 1 ) الأشياء المجهولة الوقوع ( م ، ت ) . ( 2 ) لا نفهم ( ط ) ، ( س ) . ( 3 ) سقط ( س ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 47 | فخر الدين الرازي