تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
يؤمن ، كان صدور الإيمان منه : يستلزم انقلاب علم اللّه جهلا ، ومستلزم المحال محال ، فالتكليف تكليف بالمحال وقد نذكر هذا على وجه ثالث وهو أن جود الإيمان يستحيل أن يحصل مع العلم بعدم الإيمان ، لأنه إنما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقا ، لو حصل عدم الإيمان . فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم الجمع بين النقيضين وهو محال . فالأمر بتحصيل الإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان : أمر بالجمع بين الضدين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ، ونذكر هذا على وجه رابع وهو : أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة بالإيمان ، والإيمان معتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كل ما أخبر عنه ( ومما أخبر به أنهم ) « 1 » لا يؤمنون قط . فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا ، وبأنهم لا يؤمنون قط ، وهذا تكليف « 2 » بالجمع بين النفي والإثبات . ونذكر هذا على وجه خامس ( وهو أنه تعالى ) « 3 » عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر اللّه عنه ( فقال :
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ . قُلْ : لَنْ تَتَّبِعُونا . كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ
« 4 » فيثبت : أن القصد إلى تكوين ما أخبر اللّه عن ) « 5 » عدم تكوينه : قصد لتبديل كلام اللّه ، وذلك مما قد نهى اللّه عنه في هذه الآية . ثم إن في سائر الآيات أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة ، فالقصد إلى تحصيل الإيمان ، يكون قصدا إلى تبديل كلام اللّه ، وذلك منهي عنه . ثم إنه أمر الكل بتحصيل الإيمان فكان هذا جمعا بين الأمر والنهي بالنسبة إلى الشيء الواحد ، وذلك تكليف ما لا يطاق . واعلم . أن هذا الكلام هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال . ولقد تكلفت لهم كلمات كثيرة ، وأنا أذكرها هاهنا على سبيل الاستقصاء .
هامش
( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) تكليف ( س ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) الفتح ( 15 ) . ( 5 ) من ( م ، س ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 306 | فخر الدين الرازي