تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
النصفين ، لا بد وأن يماس النصف الثاني منه بأحد وجهيه دون الوجه الثاني ، وكما صح على النصف الأول أن يماس النصف الثاني منه بأحد وجهيه ، وجب أن يصح عليه أن يماسه بوجهه الثاني ، ضرورة أن كل واحد من وجهيه على طبيعة واحدة ، وكل ما صح على الشيء ، وجب أن يصح على مثله . ومتى ثبت ذلك ، ثبت جواز التفرق والتمزق ، والاجتماع والافتراق عليه . وذلك محال . الثالث : إنه إذا كان متناهيا من كل والجوانب ، فحينئذ يكون متناهيا من جهة فوق ، وحينئذ تكون الأحياز الفارغة حاصلة فوقه . فإذا خلق اللّه في تلك الأحياز الفارغة عالما آخر ، فحينئذ يلزم وقوع ذلك العالم فوق الباري ، ووقوع الباري تحت العالم . وذلك محال بالاتفاق . الرابع : إنه إذا كان متناهيا من كل الجوانب ، فحينئذ يصح من اللّه تعالى أن يخلق أجساما متصلة بتلك الذات من كل الجوانب ، وحينئذ يصح عليه الاجتماع والافتراق . وذلك يدل على الحدوث . الخامس : إنا إذا جوزنا في الشيء الذي يكون محدودا متناهيا من كل الجوانب : أن يكون إلها لهذا العالم ، فحينئذ لا يمكننا البتة أن نقطع بأن الشمس والقمر ليسا إلهين لهذا العالم ، لأنه لا عيب فيهما إلا أحد أمور ثلاثة : أحدهما : التناهي . والثاني : كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض . والثالث : كونه قابلا للحركة والسكون . فإذا جوزنا هذه الثلاثة في حق الإله تعالى فحينئذ لا يمكننا جعل هذه الأشياء عينا في الإلهية . وحينئذ لا يمكننا القدح في إلهية الشمس والقمر وسائر الكواكب . بل على هذا التقدير ، فلعل إله العالم هو العرش نفسه ، من غير حاجة إلى إثبات شيء آخر ، معلوم إن كل ما يلزم منه هذا القول ، فهو باطل بإجماع من العقلاء . فيثبت بما ذكرنا : أن إله العالم لو كان حاصلا في الجهة والحيز ، لوجب وقوعه على أحد هذه الأقسام وثبت بالدليل فسادها بأسرها ، فوجب القطع بأنه يمتنع كون الإله عز وجل حاصلا في الحيز والجهة . فإن قيل : ألستم تقولون : إنه تعالى غير متناه في ذاته فيلزمكم
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 44 | فخر الدين الرازي