تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
فوجب أن يكون هو الإحداث ، ضرورة أنّه لا قائل بالفرق . الثاني : قوله تعالى :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
( الفرقان : 2 ) والاستدلال كما تقدّم . الثالث : قوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ
( الحشر : 24 ) وهذا التركيب يفيد الحصر . والخلق بمعنى التقدير غير منحصر ، فوجب أن يكون المدلول عليه بهذا الحصر ، هو الخلق . بمعنى الإحداث . الرابع : قول سلف الأمّة : لا خالق إلّا اللّه . وهذا الحصر لا يصحّ إلّا إذا كان الخلق بمعنى التكوين والإحداث . ( مطل 9 ، 135 ، 5 ) - أمّا مجيء لفظ الخلق بمعنى التقدير . فيدلّ عليه وجوه : الأوّل : قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( آل عمران : 59 ) ولا شكّ أن قوله
كُنْ فَيَكُونُ
( آل عمران : 59 ) استعارة عن الإحداث والإيجاد . ثم إنّه تعالى نصّ على أنّ هذا الإحداث والإيجاد متأخّر عن الخلق ، فوجب أن يكون المراد من لفظ الخلق هاهنا : شيئا مغايرا للإحداث والإيجاد . فيكون هو التقدير . لأنّه لا قائل بالفرق . الثاني : قوله تعالى
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( المؤمنون : 14 ) وهذا التركيب يدلّ على كون غيره خالقا . وقد دلّ الدليل على أنّه لا موجد إلّا اللّه ، فلا بدّ وأن يكون المراد من الخلق في هذه الآية : شيئا سوى الإحداث . فيكون هو التقدير . لأنّه لا قائل بالفرق . والثالث : قوله تعالى :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
( المائدة : 110 ) والاستدلال كما تقدّم . الرابع : إنّ الكذب يسمّى خلقا واختلاقا . قال تعالى :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
( الشعراء : 137 ) وقال :
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
( ص : 7 ) وقال :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
( العنكبوت : 17 ) وما ذاك إلا لأن الكاذب يقدر المعدوم موجودا في ذهنه أولا ، ثم يعبّر عنه بلفظه . الخامس : إنّ أهل اللغة يقولون : خلقت من الأديم خفا ، ومن الشقة قميصا . قال الشاعر :
ولا يبسط بأيدي الخالقين ، ولا * أيدي الخوالق إلا جيد الآدم
وقال :
ولأنت تفري ما خلقت ، وبعض * القوم ، يخلق ، ثم لا يفري
وقال الحجاج في خطبته : « أي لا أهم إلا أمضيته ، ولا أخلق إلّا فريت » . ( مطل 9 ، 136 ، 10 ) - أمّا الخلق بمعنى الإحداث والإيجاد . فعندنا : أنّه - سبحانه - منفرد به . وأمّا بمعنى التقدير ، فهو أيضا على ضربين : أحدهما : إحداث الشيء على مقدار مخصوص . والخلق بهذا التفسير يرجع حاصله إلى كيفية مخصوصة في الإحداث . فإذا لم يصحّ الإحداث إلّا من اللّه تعالى ، فكذلك التقدير بهذا التفسير ، وجب أيضا أن لا يصحّ إلّا من اللّه تعالى . والثاني : إنّ حكم الحاكم بأنّ ذلك الشيء وقع على ذلك المقدار يسمّى تقديرا أيضا . يقال : السلطان قدّر لفلان من الرزق كذا ، ومن المملكة كذا . والتقدير بهذا التفسير يصحّ صدوره عن العبد . ( مطل 9 ، 137 ، 13 ) - إنّ الخلق عبارة عن التقدير والاستواء ، قال القاضي عبد الجبار : الخلق فعل بمعنى التقدير واللغة لا تقتضي أنّ ذلك لا يتأتّى إلّا من اللّه تعالى بل الكتاب نطق بخلافه في قوله
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( المؤمنون : 14 )