فهي مدركة تدرك بالعقول لا بالأبصار . الثاني : النفوس وهي مدركة بالعقول ولا يجوز أن ترى . والثالث : الأجسام وهي تدرك بالعقول والأبصار ولا تدرك هي أنفسها ولا غيرها . فما نشاهده من العالم الأعلى إنما هي أجسام النفوس والعقول ، وحقيقة الملك إنما هي نفسه لا جسمه كما أن حقيقة الإنسان نفسه ولا يدرك إلا جسمه فقط . ونحن لا ندرك نفسه بل انقطعت العقول في درك ماهية نفسه بالبصيرة فكيف بالبصر ؟ فلنتكلم على هذه الأجسام الظاهرة .
فنقول : سبب الانفعالات الهواء والنار وما تحت فلك القمر مرتبط بالدوائر ودوران الفلك التاسع ، فإنه منقسم إلى اثني عشر برجا ، ثم الكواكب السيارة مقسطة عليها فمنها ما له بيت ومنها ما له بيتان ، ثم لهذه الأجسام طبائع مختلفة حاصلها الحر والبرد والرطوبة واليبوسة .
وهذه الطبائع وسائط لانفعال المنفعلات فتمر الكواكب على البروج واختلاف الحركات ، وكون هذه الكواكب في درجاتها ومراكزها واختلاف مطالعها كما تقول مثلا : إذا جمعت الشمس والقمر في رطب دل على المطر العظيم . وتفصيل هذا محال على علم النجوم ، وليس هذا موضعه فلكل مقام مقال وإنما غرضنا التنبيه .
وأصل هذا كله الحركة المشرقية التي هي المشرق إلى المغرب ، وقد حكينا عن الفلاسفة فيما تقدم علة ذلك وكيفية تقسيمهم العقول والنفوس وأنكرنا عليهم كون البارئ تعالى كذلك علة وأنها ملازمة له ، وأنكرنا دعواهم الحصر لا غير وإلا فيجوز مثل ذلك جوازا يرده إلى طريقتنا في التوحيد المحض .
فإن معتقدنا أن اللّه تعالى واحد وحدانية محضة صرفة وأنه هو القائم على العالم حتى لو تصور عدمه لم يكن له ثبوت أصلا ، والتصديق بما جاء به المرسلون ، ومن هذه الحركات الدورية تتناتج الحركات وتتناسق ، وقد تكلمنا في ذلك كلاما بليغا فلا معنى لتكراره .
فإن قيل : بم تنكرون على من يعتقد أن هذه الأنوار الظاهرة فاعلة أو عالمة أو حية ، فإن اللّه تعالى يقول :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النور : 35 ] . وربما قالت المجوس إن هذا النور إله ؟
قلنا : نعقد لهذا فصلا في المعراج الذي يلي هذا إن شاء اللّه تعالى وهو المعراج الرابع .
المعراج الرابع
اعلم أيها الأخ أن اللّه تبارك وتعالى هو نور السماوات والأرض ، ولسنا نعتقد بكونه نورا كونه شعاعا منبسطا مرثيا على الجدران ، بل ذلك على نسبة أخرى . فاعلم أن النور يطلق على ستة أشياء :
أحدها : نور حسيس بحسب عنصره لا دوام له فهو عرض سريع الزوال مفتقر إلى مواد عنصرية ، وهذا هو ضوء النيران .
الثاني : هو أشرف من هذا وإن كان عنصريا فهو شريف بحسب نسبته وبحسب نفسه ، وهو نور البصر فهو يدرك الأشياء ويدرك الألوان والمدركات .
الثالث : نور شريف من العالم الأعلى وله شرف بحسب نفسه وبحسب ما ينسب إليه ، وهو