تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ آل عمران : 54 ] وقال تعالى :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
[ الطارق : 17 ] فمن أولاه اللّه نعمة فليحذر أن تكون نقمة .

فصل

وأما غرور العصاة من المؤمنين فقولهم : " غفور رحيم وإنما نرجو عفوه " . فاتكلوا على ذلك وأهملوا الأعمال - وذلك من قبل الرجاء محمود في الدين - وإن رحمة اللّه واسعة ، ونعمته شاملة ، وكرمه عميم ، إنا موحدون مؤمنون ، نرجو بوسيلة الإيمان ، والكرم والإحسان . وربما كان منشأ حالهم التمسك بصلاح الآباء والأمهات ، وذلك نهاية الغرور ، فإن آباءهم مع صلاحهم وورعهم كانوا خائفين ، ونظم قياسهم الذي سول لهم الشيطان : أن من أحب إنسانا أحب أولاده ، فإن اللّه قد أحب آباءكم فهو يحبكم ، فلا تحتاجون إلى الطاعة ، فاتكلوا على ذلك واغتروا بالله . ولم يعلموا أن نوحا عليه السلام أراد أن يحمل ابنه في السفينة ، فمنع ، وأغرقه اللّه بأشد ما أغرق به قوم نوح ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم استأذن في زيارة قبر أمه وفي الاستغفار لها ، فأذن له في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار ونسوا قوله تعالى :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[ فاطر : 18 ] وقوله تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] فإن من ظن أنه ينجو بتقوى أبيه ، كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه أو يروى بشرب أبيه ، والتقوى فرض عين لا يجزى فيها والد عن والده ، وعند جزاء التقوى يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه إلا على سبيل الشفاعة . ونسوا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه الأمانيّ » ، وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ البقرة : 218 ] وقال تعالى :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] وهل يصح الرجاء إلا إذا تقدمه عمل ؟ فإن لم يتقدمه عمل فهو غرور لا محالة ، وإنما ورد الرجاء لتبريد حرارة الخوف واليأس ، ولتلك الفائدة نطق به القرآن والترغب في الزيادة لا محالة .

فصل

ويقرب منهم غرور طوائف لهم طاعات ومعاص ، إلا أن معاصيهم أكثر ، وهم يتوقعون المغفرة ويظنون أن ترجح كفة حسناتهم ، وكفة سيئاتهم أكثر . وهذا غاية الجهل ، فترى الواحد يتصدق بدراهم عديدة من الحلال والحرام ، ويكون ما يتناوله من أموال الناس والشبهات أضعافه ، فهو كمن وضع في كفة الميزان عشرة دراهم ووضع في الكفة الأخرى ألفا وأراد أن تميل الكفة التي فيها العشرة ، وذلك غاية الجهل .

فصل

ومنهم من يظن أن طاعته أكثر من معاصيه ، لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيها ، وإذا