تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وعلى الجملة فحركاتك وسكناتك بأعضائك نعمة من نعم اللّه تعالى عليك ، فلا تحرك شيئا منها في معصية اللّه تعالى أصلا ، واستعملها في طاعة اللّه تعالى ، واعلم أنك إن قصرت فعليك يرجع وباله ، وإن شمرت فإليك تعود ثمرته ، واللّه غني عنك وعن عملك ، وإنما كل نفس بما كسبت رهينة . وإياك أن تقول : إن اللّه كريم رحيم يغفر الذنوب للعصاة ؛ فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل ، وصاحبها ملقب بالحماقة بتلقيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه الأمانيّ " واعلم أن قولك هذا يضاهي قول من يريد أن يصير فقيها في علوم الدين من غير أن يدرس علما واشتغل بالبطالة وقال : إن اللّه كريم رحيم قادر على أن يفيض على قلبي من العلوم ما أفاضه على قلوب أنبيائه وأوليائه من غير جهد وتكرار وتعلم . وهو كقول من يريد مالا فترك الحراثة والتجارة والكسب وتعطل وقال : إن اللّه كريم وله خزائن السماوات والأرض ، وهو قادر على أن يطلعني على كنز من كنوزه أستغني به عن الكسب فقد فعل ذلك لبعض عباده . فأنت إذا سمعت كلام هذين الرجلين استحمقتهما وسخرت منهما ، وإن كان ما وصفاه من كرم اللّه تعالى وقدرته صدقا وحقّا . فكذلك يضحك عليك أرباب البصائر في الدين إذا طلبت المغفرة بغير سعي لها ، واللّه تعالى يقول :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] ويقول :
إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الطور : 16 ، التحريم : 7 ] ويقول :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
[ الانفطار : 13 ، 14 ] . فإذا لم تترك السعي في طلب العلم والمال اعتمادا على كرمه ، فكذلك لا تترك التزود للآخرة ولا تفتر ، فإن رب الدنيا والآخرة واحد ، وهو فيهما كريم رحيم ، وليس يزيد له كرم بطاعتك ، وإنما كرمه في أن ييسر لك طريق الوصول إلى الملك المقيم والنعيم الدائم المخلد بالصبر على ترك الشهوات أياما قلائل ، وهذا نهاية الكرم ؛ فلا تحدث نفسك بتهويسات البطالين ، واقتد بأولي العزم والنّهى من الأنبياء والصالحين ، ولا تطمع في أن تحصد ما لم تزرع ، وليت من صام وصلى وجاهد واتقى غفر له . فهذه جمل مما ينبغي أن تحفظ عنه جوارحك الظاهرة وأعمال هذه الجوارح ؛ فعليك بتطهير القلب فهو تقوى الباطن ، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ؛ فاشتغل بإصلاحه لتصلح به جوارحك ؛ وصلاحه يكون بملازمة المراقبة .

القول في معاصي القلب

اعلم أن الصفات المذمومة في القلب كثيرة ، وطريق تطهير القلب من رذائلها طويلة ، وسبيل العلاج فيها غامض ، وقد اندرس بالكلية علمه وعمله لغفلة الخلق عن أنفسهم ؛ واستقصينا ذلك كله في كتاب إحياء علوم الدين في ربع المنجيات ؛ ولكننا نحذرك الآن ثلاثا من خبائث القلب ، وهي الغالبة على متفقهة العصر ، لتأخذ منها حذرك ، فإنها مهلكات في أنفسها ، وهي أمهات الجملة من الخبائث سواها ، وهي : الحسد والرياء والعجب ؛ فاجتهد في تطهير قلبك منها ، فإن قدرت عليها فتعلم كيفية الحذر مع بقيتها من ربع المهلكات ، فإن عجزت عن هذا فأنت عن غيره أعجز . ولا تظنن أنك تسلم بنية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 392 | الغزالي