تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨

القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي

اعلم أن الدين شطران : أحدهما ترك المناهي ، والآخر فعل الطاعات . وترك المناهي هو الأشد ، فإن الطاعات يقدر عليها كل أحد ، وترك الشهوات لا يقدر عليه إلا الصديقون ، فلذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « المهاجر من هجر السّوء والمجاهد من جاهد هواه » واعلم أنك إنما تعصي اللّه بجوارحك ، وهي نعمة من اللّه عليك وأمانة لديك ، فاستعانتك بنعمة اللّه على معصيته غاية الكفران . وخيانتك في أمانة استودعكها اللّه غاية الطغيان . فأعضاؤك رعاياك فانظر كيف ترعاها ، فكلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته . واعلم أن جميع أعضائك ستشهد عليك في عرصات القيامة بلسان طلق ذلق ، أي فصيح ، تفضحك به على رؤوس الخلائق ؛ قال اللّه تعالى :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النور : 24 ] وقال اللّه تعالى :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ يس : 65 ] . فاحفظ يا مسكين جميع بدنك من المعاصي ، وخصوصا أعضاءك السبعة ، فإن جهنم لها سبعة أبواب لكل منهم جزء مقسوم . ولا يتعين لتلك الأبواب إلا من عصى اللّه تعالى بهذه الأعضاء السبعة وهي : العين ، والأذن ، واللسان ، والبطن ، والفرج ، واليد ، والرجل . أما العين فإنما خلقت لتهتدي بها في الظلمات ، وتستعين بها في الحاجات ، وتنظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات ، وتعتبر بما فيها من الآيات ؛ فاحفظها عن أربع : أن تنظر بها إلى غير محرم ، أو إلى صورة مليحة بشهوة نفس ، أو تنظر بها إلى مسلم بعين الاحتقار ، أو تطلع بها على عيب مسلم . وأما الأذن ، فاحفظها عن أن تصغي بها إلى البدعة ، أو الغيبة ، أو الفحش ، أو الخوف في الباطل ، أو ذكر مساوىء الناس ؛ فإنما خلقت لك لتسمع بها كلام اللّه تعالى ، وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحكمة أوليائه ، وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين . فإذا أصغيت بها إلى شيء من المكاره ، صار ما كان عليك ، وانقلب ما كان سبب فوزك سبب هلاكك ، وهذا غاية الخسران . ولا تظن أن الإثم يختص به القائل دون المستمع ، ففي الخبر أن المستمع شريك القائل وهو أحد المغتابين . وأما اللسان ، فإنما خلق لتكثر به ذكر اللّه تعالى وتلاوة كتابه ، وترشد به خلق اللّه تعالى إلى طريقه ، وتظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك ، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت نعمة اللّه تعالى فيه . وهو أغلب أعضائك عليه وعلى سائر الخلق ، ولا يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلى حصائد ألسنتهم ؛ فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر جهنم ، ففي الخبر : « إنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة ليضحك بها أصحابه فيهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفا » . وروي أنه قتل شهيد في المعركة على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال قائل : هنيئا له بالجنة فقال صلى اللّه عليه وسلم : " وما يدريك ؟ لعلّه كان يتكلّم فيما لا يعنيه ، ويبخل بما لا يغنيه » . فاحفظ لسانك من ثمانية :