تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
فقيل له : هل هو في جهة ؟ فقال له : هو منزه عن الحلو في المحال والاتصال بالأجسام والاختصاص بالجهات ، فإن كل ذلك صفات الأجسام وأعراضها والروح ليس بجسم ولا عرض في جسم ، بل هو مقدس عن هذه العوارض . فقيل له : لم منع الرسول عن صلى اللّه عليه وسلم إفشاء هذا السر وكشف حقيقة الروح بقوله تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] . فقال : لأن الأفهام لا تحتمله لأن الناس قسمان عوام وخواص . أما من غلب على طبعه العامية فهذا لا يقبله ولا يصدقه في صفات اللّه تعالى فكيف يصدقه في حق الروح الإنسانية ، ولهذا أنكرت الكرامية والحنبلية ومن كانت العامية أغلب عليه ذلك وجعلوا الإله جسما إذ لم يعقلوا موجودا إلا جسما مشارا إليه ، ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية وما أطاق أن ينفي عوارض الجسمية فأثبت الجهة وقد ترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة ، فأثبتوا موجودا لا في جهة . فقيل له : ولم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء ؟ فقال : لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفات لغير اللّه تعالى ، فإذا ذكرت هذا لبعضهم كفروك وقالوا إنك تصف نفسك بما هو صفة الإله على الخصوص ، فكأنك تدعي الإلهية لنفسك . فقيل له : فلم أحالوا أن تكون هذه الصفة للّه ولغير اللّه تعالى أيضا ؟ فقال : لأنهم قالوا كما يستحيل في ذوات المكان أن يجتمع اثنان في مكان واحد يستحيل أيضا أن يجتمع اثنان لا في مكان ، لأنه إنما استحال اجتماع جسمين في مكان واحد ، لأنه لو اجتمعا لم يتميز أحدهما عن الآخر ، فكذلك لو وجد اثنان كل واحد منهما ليس في مكان . فبم يحصل التمييز والعرفان ؟ ولهذا أيضا قالوا : لا يجتمع سوادان في محل واحد حتى قيل المثلان يتضادان . فقيل : هذا إشكال قوي فما جوابه ؟ قال : جوابه أنهم أخطؤوا حيث ظنوا أن التمييز لا يحصل بالمكان بل يحصل التميز بثلاثة أمور : أحدها بالمكان كجسمين في مكانين ، والثاني بالزمان كسوادين في جوهر واحد في زمانين ، والثالث بالحد والحقيقة كالأعراض المختلفة في محل واحد مثل اللون والطعم والبرودة والرطوبة في جسم واحد ، فإن المحل واحد والزمان واحد ، ولكن هذه معان مختلفة الذوات بحدودها وحقائقها ، فيتميز اللون عن الطعم بذاته لا بمكان وزمان ويتميز العلم عن القدرة والإرادة بذاته وإن كان الجميع شيئا واحدا ، فإذا تصور أعراض مختلفة الحقائق فبأن يتصور أشياء مختلفة الحقائق بذواتها في غير مكان أولى .

فصل

فقيل : هنا دليل آخر على إحالة ما ذكرتموه أظهر من طالب التفرقة وهو أن هذا تشبيه