تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
العلم المستفاد منه مستيقن ومن لم يجرب لم يعرف . فقال : وهل يمكنك أن تعرف جميع الحقائق والمعارف الإلهية جميع الخلق فترفع الاختلافات الواقعة بينهم ؟ قلت : هيهات لا أقدر عليه وكان إمامك المعصوم إلى الآن قد رفع الاختلافات بين الخلائق وأزال الإشكالات عن القلوب ، بل الأنبياء متى رفعوا الاختلاف ومتى قدروا عليه بل اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي . ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربّك ، أفأدعي أن أرد قضاء اللّه الذي قضى به الأزل أو يقدر إمامك أن يدعي ذلك فإن كان يدعيه فلم ادخره إلى الآن والدنيا طافحة بالاختلافات . وليت شعري رئيس الأمة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كما سبب رفع الاختلافات بين الخلق أو سبب تأسيس اختلافات لا تنقطع أبد الدهر .

القول في طريق نجاة الخلق من ظلمات الاختلافات

فقال : كيف نجاة الخلق من هذه الاختلافات ؟ قلت : أن اصغوا إليّ ، رفعت الاختلاف بينهم بكتاب اللّه تعالى ، ولكن لا حيلة في إصغائهم فإنهم لم يصغوا بأجمعهم إلى الأنبياء ولا إلى إمامك ، فكيف يصغون إليّ وكيف يجتمعون على الإصغاء وقد حكم عليهم في الأزل بأنهم لا يزالوا مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ، وكون الخلاف بينهم ضروريا تعرفه من كتاب جواب مفصل الخلاف وهو الفصول الاثنا عشر . فقال : فلو أصغوا كيف كنت تفعل ؟ قلت : كنت أعاملهم بآية واحدة من كتاب اللّه تعالى ، إذ قال :
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
[ الحديد : 25 ] . وإنما أنزل هذه الثلاث لأن الناس ثلاثة أصناف وكل واحد من الكتاب والحديد والميزان علاج قوم . فقال : فمن هم وكيف علاجهم ؟ قلت : الناس ثلاثة أصناف عوام وهم أهل السلامة البله وهم أهل الجنة ، وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة ويتولد بينهم طائفة هم أهل الجدل والشغب فيتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة . أما الخواصّ فإني أعالجهم بأن أعلمهم الموازين القسط وكيفية الوزن بها فيرتفع الخلاف بينهم على قرب وهؤلاء قوم اجتمع فيهم ثلاث خصال : إحداها : القريحة النافذة والفطنة القوية وهذه عطية فطرية وغريزة جبلية لا يمكن كسبها . والثانية : خلو باطنهم من تقليد وتعصب لمذهب موروث ومسموع فإن المقلد لا يصغي والبليد وإن أصغى فلا يفهم . الثالثة : أن يعتقد في أني من أهل البصيرة بالميزان ومن لم يؤمن بأنك تعرف الحساب لا يمكنه أن يتعلم منك . والصنف الثاني البله : وهم جميع العوام وهؤلاء هم الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق وإن كانت