تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
قال : وما وجه تخريجه عليه ؟ فقلت : الشيطان إنما يلبس في الموازين بتكثير الكلام فيه وتشويشه حتى لا يعلم منه موضع التلبيس وهذا كلام كثير حاصله يرجع إلى أن الحق يوصف بالوحدة ، فهذا أصل وأن مذهب التعليم يوصف بالوحدة فهذا أصل آخر ، فلزم منه أن مذهب التعليم يوصف بالوحدة وصف واحد بالحق لأن الوحدة في شيء واحد فاتّصف به شيئان ، فيجب اتّصاف أحد الشيئين بالآخر كقول القائل : اللون وصف واحد اتصف به البياض والسواد جميعا فيلزم اتصاف البياض بالسواد ، وكقول الشيطان : الأكبر وصف واحد يتصف به الإله والشمس فيلزم منه أن تتصف الشمس بالإله فلا فرق بين هذه الموازين الثلاثة . أعني وجود اللون للسواد والبياض ووجود الأكبر للإله والشمس ووجود الوحدة للتعليم والحق ، فتأمل لتفهم ذلك . فقال : قد فهمت هذا قطعا ولكني لا أقنع بمثال واحد فاذكر لي مثالا آخر من موازين رفقائي ليزداد قلبي سكونا إلى معرفة انخداعهم بموازين الشيطان . قلت : أما سمعت قولهم إن الحق إما أن يعرف بالرأي المحض أو بالتعليم المحض ، وإذا بطل أحدهما ثبت الآخر وباطل أن يكون مدركا بالرأي العقلي المحض لتعارض العقول والمذاهب فثبت أنه بالتعليم . فقال : إي واللّه قد سمعت ذلك كثيرا وهو مفتاح دعوتهم وعنوان حجتهم . قلت : فهذا وزن بميزان الشيطان الذي ألصقه بميزان التعاند ، فإن إبطال أحد القسمين ينتج ثبوت الآخر ، ولكن بشرط أن تكون القسمة منحصرة لا منتشرة ، والشيطان يلبس المنتشرة بالمنحصرة ، فهذه منتشرة إذ ليست دائرة بين النفي والإثبات ، بل يمكن بينهما قسم ثالث وهو أن يدرك بالعقل والتعليم جميعا وعياره من الصنجات المعلوم بطلانها قول القائل : الألوان لا تدرك بالعين بل بنور الشمس . فقلنا : لم ؟ فقال : لا تخلو إما أن تدرك بالعين أو بنور الشمس وباطل أن تدرك بالعين لأنه لا يدرك بالليل فثبت أنه يدرك بنور الشمس ، فيقال له : يا مسكين ثم قسم ثالث وهو أن يدرك بالعين ولكن عند نور الشمس . فقال : قد فهمت هذا أيضا لكن أريد أن تزيدني شرحا للغلط الواقع في الأنموذج الأول وهو حديث الحق والواحدة ، فإن التفطن لموضع الغلط منه لطيف جدا . قلت : وجه الغلط ما ذكرت وهو التباس اتّصاف شيء واحد بشيئين باتّصاف شيئين بشيء واحد ، ولكن أصل هذا الغلط إيهام العكس ، فإن من علم أن كل واحد حقّ ربما يظن أن كل حقّ واحد وليس يلزم هذا العكس بل اللازم منه عكس خاص ، وهو أن بعض الواحد حقّ فإن قولك : كل إنسان حيوان لا يلزم منه عكس عام وهو أن كل حيوان إنسان بل اللازم أن بعض الحيوان إنسان ولا يستولي الشيطان بحيله على الضعفاء بأشد وأكثر من تحيله بإيهام العكس