تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
المقتبس من إشراق عالم النبوة ، فلذلك حرموا التفطن له إذ حرموا من سر مذهب التعليم . فقال : إذا استوغرت سبيلهم واستوهنت دليلهم فبما ذا تزن معرفتك ؟ فقلت : أزنها بالقسطاس المستقيم ليظهر لي حقها وباطلها ، ومستقيمها ومائلها : اتباعا للّه تعالى وتعليما من القرآن المنزل على لسان نبيّه الصادق حيث قال :
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
[ الإسراء : 35 ] . فقال : وما القسطاس المستقيم ؟ قلت : هي الموازين الخمس التي أنزلها اللّه في كتابه وعلم أنبياءه الوزن بها . فمن تعلم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووزن بميزان اللّه فقد اهتدى . ومن ضلّ عنها إلى الرأي والقياس فقد ضلّ وتردّى . فقال : أين الموازين في القرآن وهل هذا إلا إفك وبهتان ؟ قلت : ألم تسمع قوله تعالى في سورة الرحمن :
الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ
إلى قوله :
وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
[ الرحمن : 1 . 9 ] . ألم تسمع قوله في سورة الحديد :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] . أتظن أن الميزان المقرون بالكتاب هو ميزان البر والشعير والذهب والفضّة ؟ أتتوهّم أن الميزان المقابل وضعه برفع السماء في قوله :
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ
[ الرحمن : 7 ] . هو الطيار والقيان ، وما أبعد هذا الحسبان وأعظم هذا البهتان ، فاتّق اللّه ولا تعسف في التأويل . واعلم يقينا أن هذا الميزان هو ميزان معرفة اللّه تعالى ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وملكه وملكوته لتتعلم كيفية الوزن به من أنبيائه كما تعلّموا هم من ملائكته . فإن اللّه تعالى هو المعلم الأوّل ، والثاني جبريل ، والثالث الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والخلق كلهم يتعلمون من الرسل ما ليس لهم طريق إلى المعرفة به إلا بهم . فقال : فبم عرفت أن ذلك الميزان صادق أم كاذب ؟ أبعقلك ونظرك ؟ فالعقول متعارضة . أم بالإمام المعصوم الصادق القائم بالحقّ في العالم ؟ وهو مذهبي الذي أدعو إليه . فقلت : ذلك أيضا أعرفه بالتعليم ، ولكن من إمام الأئمّة محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى اللّه عليه وسلم فإني وإن كنت لا أراه فإني أسمع تعليمه الذي تواتر إليّ تواترا لا أشكّ فيه : وإنما تعليمه القرآن ، وبيان صدق موازين القرآن معلوم من نفس القرآن . فقال : " هات برهانك " وأخرج من القرآن ميزانك . وأظهر لي كيف فهمت من نفس القرآن صدقه وصحته . فقلت له : حدّثني أنت بم تعرف صحة ميزان الذهب والفضّة وصدقه ومعرفة ذلك فرض دينك إذا كان عليك دين حتى نقضيه تامّا من غير نقصان . أو كان لك على غيرك دين حتى تأخذه عدلا من غير رجحان ، فإذا دخلت سوقا من أسواق المسلمين وأخذت ميزانا من الموازين وقضيت أو استقضيت به الدين ، فبم تعرف أنك لم تظلم بنقصان في الأداء أو برجحان في الاستيفاء ؟