الباب السابع عشر في معرفة الخواطر وأقسامها ومحاربة الشيطان وقهره والتدبير في دفع شره ، وأن يستعيذ بالله تعالى منه أولا ثم يحاربه بثلاثة أشياء
أحدها : أن تعرف مكائده وحيله ومخادعاته .
والثاني : أن تستخف بدعوته فلا تعلق قلبك بها .
والثالث : أن تديم ذكر اللّه تعالى بقلبك ولسانك ، فإن ذكر اللّه تعالى في جنب الشيطان كالأكلة في جنب ابن آدم ، فأما معرفة مكائده فإنه يستبين لك بمعرفة الخواطر وأقسامها . أما معرفة أقسامها فاعلم أن الخواطر آثار تحدث في قلب العبد تبعثه على الفعل أو الترك وحدوث جميعها في القلب من اللّه تعالى إذ هو خالق كل شيء ، لكنها أربعة أقسام : فقسم منها يحدثه اللّه تعالى في قلب العبد ابتداء فيقال له الخاطر فقط ، وقسم يحدثه موافقا لطبع الإنسان فيقال له هو النفس ، وقسم يحدثه عقب دعوة الشيطان فينسب إليه ويقال له الوسواس ، وقسم يحدثه اللّه ويقال له الإلهام ، ثم اعلم أن الخاطر الذي من قبل اللّه تعالى ابتداء قد يكون خيرا إكراما وإلزاما للحجة . وقد يكون شرا امتحانا ، والخاطر الذي يكون من قبل الملهم لا يكون إلا بخير إذ هو ناصح مرشد لا يرسل إلا لذلك ، والخاطر الذي يكون من قبل الشيطان لا يكون إلا بشر إغواء وربما يكون بالخير مكرا منه واستدراجا ، والخاطر الذي يكون من قبل هوى النفس لا يكون إلا بالشر وقد يكون بالخير لا لذاته فهذه أنواعها .
ثم اعلم أنك محتاج إلى ثلاثة فصول :
فأما الفصل الأول : قال العلماء رضي اللّه عنهم أجمعين إذا أردت أن تعرف خاطر الخير من خاطر الشر وتفرق بينهما فزنه بأحد الموازين الثلاثة يبين لك حاله .
فالأول : هو أن تعرضه على الشرع فإن وافق جنسه فهو خير وإن كان بالضد إما برخصة أو بشبهة فهو شر . فإن لم يبين لك بهذا الميزان ، فاعرضه على الاقتداء بالصالحين ، فإن كان فيه اقتداؤهم فهو خير وإلا فهو شر ، وإن لم يبين لك بهذا الميزان ، فاعرضه على النفس والهوى ، فإن كان مما تميل إليه النفس ميل طبع لا ميل رجاء إلى اللّه تعالى فهو شر .
وأما الفصل الثاني : إذا أردت أن تفرق بين خاطر شر ابتداء من قبل الشيطان أو من قبل النفس أو من اللّه تعالى ، فانظر فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : إن وجدته ثابتا راتبا مصمما على حالة واحدة فهو من اللّه تعالى أو من هوى النفس ، وإن وجدته مترددا مضطربا فهو من الشيطان .