تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
أنها ليست زائدة على مفهوم الذات . وقال غيرهم من السادة : اعلم أن الأسماء والصفات نسب وإضافات ترجع إلى عين واحدة إذ لا كثرة هناك بوجود أعيان زائدة على الذات المقدسة ، كما زعم من لا علم له بالله تعالى من بعض النظار . فلو كانت أعيانا زائدة وما هو إله إلا بها لكان معلولا لها فلا يخلو أن تكون هي عينه . فالشيء لا يكون معلولا لنفسه . أو لا تكون فالإله لا يكون معلولا لعلة ليست عينه ، لأن ذلك يقتضي افتقاره وافتقار الإله محال فكون الأسماء والصفات أعيانا زائدة محال ، فافهم جيدا والحمد للّه وحده .

الباب الخامس عشر في بيان حقيقة الإخلاص والرياء وحكمهما وتأثيرهما

اعلم : أن الإخلاص عند علمائنا إخلاصان : إخلاص العمل وإخلاص طلب الأجر . فأما إخلاص العمل : فهو إرادة التقرب إلى اللّه تعالى وتعظيم أمره وإجابة دعوته والباعث عليه الاعتقاد الصحيح وضد هذا الإخلاص النفاق . وهو التقرب إلى من دون اللّه تعالى . وأما إخلاص طلب الأجر : فهو إرادة نفع الآخرة بعمل الخير وضد هذا الإخلاص : الرياء وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة سواء أراده من اللّه تعالى أو من الناس ، لأن الاعتبار في الرياء بالمراد لا بالمراد منه ، وأما تأثيرهما : فهو أن إخلاص العمل يجعل الفعل قربة وإخلاص طلب الأجر يجعله مقبولا وافر الأجر . وأما النفاق : فإنه يحبط العمل ويخرجه عن كونه قربة والرياء يوجب رده ، وأما موضع الإخلاص وفي أي طاعة يقع ويجب ، فاعلم أن الأعمال عند بعض العلماء ثلاثة أقسام : قسم يقع فيه إخلاصان جميعا وهو العبادة الظاهرة الأصلية ، وقسم لا يقع فيه إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل وهو المباحات المأخوذة للعدة . وقال شيخنا : إن كل عمل يحتمل الصرف إلى غير اللّه تعالى من العبادات الأصلية يقع فيه إخلاص العمل والعبادات الباطنة أكثرها يقع فيها إخلاص العمل . وأما الإخلاص في طلب الأجر : فكان شيخنا يقول : إذا أراد العامل من اللّه تعالى بالعبادات الباطنة نفع الدنيا فهو أيضا رياء . قلت : فلا يبعد إذا أن يقع في كثير من العبادات الباطنة الإخلاصان ، وكذلك النوافل . يجب عليها الإخلاصان جميعا عند الشروع فيها . وأما المباحات المأخوذة للعدة : فإنه يقع إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل إذ هي لا تصلح بنفسها أن تكون قربة ، بل هي عدة على القربة وهذا مواضعها ، وأما وقتها : فهو أن إخلاص العمل يكون مع الفعل يقارنه لا محالة ويتأخر عنه ، وإخلاص طلب الأجر ربما يتأخر عنه . وعند بعض العلماء ربما يعتبر فيه وقت الفراغ من العمل ، فإذا فرغ العمل على إخلاص ورياء فقد انقضى الأمر ولا يمكن استدراكه بعد ، واللّه أعلم .