تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
إن الكيميائي قد يعرف خواص سائل أو غاز يقلبه تحت يده ويجري عليه ما شاء من تجارب ، فكيف يجوز للعباد أن يتدخلوا بالبحث النظري في شأن الألوهية لينكروا أو ليثبتوا ؟ وشأن الألوهية بالنسبة إليهم عزيز المنال . إن اللغات من وضع الناس على مر الزمان . فنحن العرب وضعنا كلمة أذن مثلا لهذا التجويف أيمن الوجه أو أيسره الذي نسمع عن طريقه الأصوات ونتبين الكلمات . . . وقد وضع غيرنا من أبناء اللغات الأخرى كلمات تدل على هذه الحاسة غير الكلمة المتداولة بيننا ، والمهم أن هذه الألفاظ الموضوعة استحدثها الناس لمفاهيم مادية أو معنوية مارسوها وألفوها ، ومن هنا فالمجيء بهذه الكلمات للدلالة على أمور مغيبة ليس إلا من قبيل التقريب للذهن ، ولا يمكن أن تكون هذه العبارات - التي صنعناها نحن بيانا للمحسوسات أو المعقولات المأنوسة لنا في عالمنا - وصفا حقيقيا لعالم ما وراء المادة . على ضوء هذا الملحظ نفهم حديث أي لغة عن اللّه جل شأنه وعن صفاته العليا ، إن الأمر لا يعدو تقريب الحقائق المطلقة لو عينا المحدود . واللّه أكبر من أن تحيط بعظمته عقولنا . أو تستوعب كمالاته أقدارنا . وقال ابن أبي الحديد :
واللّه لا موسى ولا عي * سى المسيح ولا محمد
علموا ولا جبريل وهو * إلى محل القدس يصعد
كلا ولا النفس البسيطة * لا ولا العقل المجرد
من كنه ذاتك غير أنك * أوحديّ الذات سرمد
وجدوا إضافات وسلبا * والحقيقة ليس توجد
ورأوا وجودا واجبا * يفنى الزمان وليس ينفد
فلتخسأ الحكماء عن * حرم له الأفلاك سجّد
من أنت يا رسطو ومن * أفلاط قبلك يا مبلّد
ومن ابن سينا حين قرّ * ر ما بنيت له وشيّد
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي — صفحة 103 | القاسم بن إبراهيم الرسي