تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
تسبيح المسبحين لسبب أثر الصنع من المعتبرين بذلك ، فجاز ذلك ، إذ كان بسبب أثر الصنع في هذه الأشياء كان التسبيح فيها من المسبحين ، المقرين باللّه المعترفين . وما التسبيح إلا كقول اللّه عز وجل :
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ
[ النمل : 40 ] ، وليس اللّه يزين لأحد قبيحا ، ولكن لما كان سبب زينة الدنيا وما فيها من اللّه خلقا وجعلا ، وكان منه الإملاء للفاسقين ، والتأخير الذي به تزينت أعمالهم ، جاز أن يقال : زينا ولم يزين لهم سبحانه قبيحا من فعلهم . كذلك قوله سبحانه :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
[ الكهف : 28 ] ، فليس اللّه سبحانه يغفل قلب أحد عن ذكره ، ولا يصرفه عن معرفته ، ولكن لما أن كان منه سبحانه ترك المعاجلة للمسيء على فعله ، والتأخير له في أجله ، جاز أن يقول : أغفلنا ، إذ كانت الغفلة هي الإعراض والترك للحق والتوبة والإنابة ، فجاز من قبل إملاء اللّه وتأخيره للمسيء المذنب أن يقول : أغفلنا على مجاز الكلام ، ومثل هذا كثير في القرآن ، يعرفه ذو الفهم والبيان . ومما حكى اللّه عز وجل عن ولد يعقوب عليه السلام :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
[ يوسف : 82 ] ، فقالوا : القرية ، والقرية فإنما هي البيوت والدور ، وليس البيوت والدور تسأل ، وإنما أراد أهل القرية ؛ لأنها من سبب الأهل ، والأهل من سببها ، فجاز ذلك في اللغة العربية . وكذلك قولهم :
الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
، والعير فإنما هي الجمال المحملة ، وليس الجمال تسأل ولا تجيب ولا تستشهد ، وإنما أرادوا أهل الجمال وأرباب الحمولة ، فقالوا : سل العير ، وإنما أرادوا أهلها . فكذلك قوله سبحانه :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] ، يريد وإن من شيء إلا وهو يوجب التسبيح على من اعتبر ونظر ، وفكر في أثر صنع اللّه بما فيه ، فجاز أن يقال : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، لما أن كان أثر الصنع فيه موجبا للتسبيح لصانعه على المعتبرين من عباده . فأما قوله :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] ، فهو ذم لمن لم يعتبر ، ويستدل بآثار الصنع في الأشياء ، فقال :
لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
، يريد : لا تفقهون ما به من أثر الصنع فيها ، الذي يوجب التسبيح للصانع والإجلال والتوقير ، وكان ذلك ذما لمن لا يعتبر