تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
الكرسي قرار الأرض ، كما أن قوله تعالى :
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
[ الصافات : 49 ] على شكل البيض والاستدارة ، وإنما شبههن بالبيض في الوضاءة والصقالة ؛ لأن التشبيه عند العرب يقع لوجه ، والخطاب بلغتهم من اللّه ومن رسوله ، فمن هناك تشبيه الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم له بالفلاة في السعة والإحاطة ، وهو عند من ذهب إلى أنه جسم فوق السماوات والأرض حاف من أعلاهما ، وقوله سبحانه لا يفيد كونه مكانا لهما ؛ لأن المكان ما يستقر عليه الكائن ، ولم يدل دليل على أنه كذلك ، ولفظ وسع قد يستعمل فيما يحيط من الجهات العلى . ألا ترى أنه يقال : وسع المغفر رأس الرجل وإن كان فوقه وأمثال ذلك كثيرة ، فعلى هذا ذكره تعالى للكرسي ووسعه للسماوات والأرض إبانة لقدرته وإيضاحا لعظمته ، بحيث أن الكرسي في هذا الحد من العظم والعرش فوقه في ذلك ، ولم يشغله حفظهما عن حفظ السماوات والأرض ، بخلاف ملوك البشر فإنه إذا اتسعت مملكته وقلت أعوانه شغلته جهة عن جهة ، فأخبر تعالى أنه لا يلهيه شأن عن شأن ، ولا يشغله مكان عن مكان ، ولا يفتقر إلى أعوان تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فهذا هو الكلام في هذه المسألة ومن اللّه نستمد الهداية .

المسألة الثامنة والأربعون [ الحكمة من خلق العرش والكرسي ]

قال تولى اللّه هدايته : بهذا الإجماع ونص الكتاب والأدلة النظرية أن اللّه عز وجل لم يخلق شيئا عبثا ، وانتفاء العبث يوجب أنه تعالى خلق كل مخلوق أوجده لمراد مقصود على وجوب الحكمة والإتقان ، فما المراد بالعرش والكرسي إن كانا أجساما جمادية وهو تعالى منزه عن الجلوس والمكان ، ولما انتفى العبث والجلوس والمكان لزم مراد غير ذلك ، فما هو ذلك المراد الذي من أجله خلقا وقد قال تبارك وتعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ، فوجب