أما في مجال علم الكلام فان ابن تومرت يرى أن الاعتماد فيه على قياس الغائب على الشاهد يؤدي إلى التشبيه لا محالة . ذلك : " أن الموجود المطلق ( - الله ) هو القديم الأزلي الذي استحالت عليه القيود والخواص ، والمختص بمطلق الوجود من غير تخصيص ولا تقييد " . « 43 » ولذلك لا يجوز قياسه بعالم الشهادة ، عالم الطبيعة والإنسان الذي كله تقييد وتخصيص ، يقول : " بطل قياس الغائب على الشاهد إذ لا جامع بينهما لأن كل واحد منهما مضاد للآخر ، ولأن ذا ( - الله ) يفعل وذا ( - العالم ) لا يفعل ، وذا قديم وذا محدث ، وذا مفتقر وذا غني . فإذا قيس أحدهما على الآخر بطلت حقيقتهما جميعا ، لأن القياس إنما يصلح بين المتماثلين ، وبين المختلفين إذا كان بينهما شبه ، والله سبحانه ليس له مثل ولا شبه فإذا بطل هذا بطل به التشبيه وبطل به قياس الغائب على الشاهد " . « 44 » وواضح أن ابن تومرت يربط هنا التشبيه والتجسيم اللذين اتهم بهما المرابطين بقياس الغائب على الشاهد ، ومن هنا كان النقد الإيبستيمولوجي نقدا إيديولوجيا كذلك .
مما تقدم يتضح بجلاء أننا هنا بصدد عملية نقل ل " ظاهرية " ابن حزم من مستوى المشروع الفكري إلى مستوى " الدعوة " ، مستوى العمل . . . وابن تومرت من هذه الناحية تلميذ لابن حزم ، ولا علاقة له مع الغزالي - الذي يزعم أنه التقى به في بغداد - ولا مع المذهب الأشعري ، فنقده للاستدلال بالشاهد على الغائب ، ودعوته إلى الرجوع إلى الأصول يبعدانه عن الأشعرية تماما .
وليس صحيحا على العموم ما يقال من أن الدولة الموحدية التي أسسها ابن تومرت ومرافقه عبد المؤمن بن علي كانت أشعرية المذهب . لقد كان الموحدون ( وهذا هو الاسم الذي أطلقه ابن تومرت على أصحابه وبقوا يحملونه طوال عهدهم بالملك ) أصحاب مذهب مستقل في التوحيد ، فيه جوانب أشعرية وأخرى معتزلية وعناصر كثيرة أساسية من " ظاهرية " ابن حزم ، إضافة إلى فكرة " الإمام المعصوم " الشيعية التي وظفها ابن تومرت سياسيا في أول الأمر لجمع الناس حوله ، وقد ألغى الخليفة الموحدي المنصور شعار " الإمام المعصوم المهدي المعلوم " عندما صارت الدولة الموحدية في غنى عنه سياسيا أي عندما توطد حكمها وبلغت قمة عظمتها .
وإذن فلا معنى لاستغراب بعض الباحثين المعاصرين من كون ابن رشد ، الذي عاش في كنف دولة الموحدين وداخل بلاطها ، قد تصدى لنقد المذهب الأشعري بلهجة حادة أحيانا ، كما سنرى في الكتاب الذي بين أيدنا . ذلك أن الدولة الموحدية لم
هامش
( 43 ) نفسه . ص 195 - 196 .
( 44 ) نفسه . ص 168 .