تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
[ 320 ] وهذا في غاية الشناعة . لأنه ليس يكون هاهنا شيء هو في نفسه خير ولا شيء هو في نفسه شر . فان العدل معروف بنفسه أنه خير وأن الجور شر ، فيكون الشرك باللّه ليس في نفسه جورا ولا ظلما ، إلا من جهة الشرع . وأنه لو ورد الشرع بوجوب اعتقاد الشريك له لكان عدلا . وكذلك لو ورد بمعصيته لكان عدلا . وهذا خلاف المسموع والمعقول . [ 321 ] أما المسموع فإن اللّه قد وصف نفسه في كتابه بالقسط ، ونفى عن نفسه الظلم . فقال تعالى :
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ »
( آل عمران 18 ) . وقال تعالى :
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
( آل عمران 182 ) وقال :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
( يونس 44 ) . [ 322 ] فإن قيل : فما تقول في الإضلال للعبيد ، أهو جور أم عدل ؟ وقد صرح اللّه في غير ما آية من كتابه أنه يضل ويهدي . مثل قوله تعالى :
« فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
( إبراهيم 4 ) . ومثل قوله :
« وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها »
( السجدة 13 ) . [ 323 ] قلنا : هذه الآيات ليس يمكن أن تحمل على ظاهرها . وذلك أن هاهنا آيات كثيرة تعارضها بظاهرها ، مثل الآيات التي نفى فيها سبحانه عن نفسه الظلم . ومثل قوله تعالى :
« وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ »
( الزمر 7 ) وهو بين أنه ، إذا لم يرض لهم الكفر ، أنه ليس يضلهم . وما تقوله الأشعرية من أنه يجوز على اللّه أن يفعل ما لا يرضاه ، أو يأمر بما لا يريده ، فنعوذ باللّه من هذا الاعتقاد في اللّه سبحانه . وهو كفر . [ 324 ] وقد يدلك على أن الناس لم يضلوا ولا خلقوا للضلال ، قوله تعالى :
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً . فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها »
( الروم 30 ) . وقوله :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ »
الآية ( - . . .
« مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى ! شَهِدْنا . أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ »
الأعراف 172 ) . وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة " . [ 325 ] وإذا كان هذا التعارض موجودا وجب الجمع بينهما على نحو ما يوجبه العقل ( 68 / و ) . فنقول : أما قوله تعالى :
« يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » *
( فاطر 8 ) ،