أعلم : أن كل ما ورد من الأخبار ، من الأمر والنهي ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب ، فالقوم يحتجون به . وتقريره على الوجه المذكور في الدلائل القرآنية .
ثم بعد هذا يتمسكون بوجوه أخرى :
الحجة الأولى : لو كان الكفر والفسق حاصلا بتخليق اللّه تعالى وقضائه ، لوجب الرضا به . لكن الرضا به لا يجوز ، فوجب أن لا يكون بتخليق اللّه ولا بقضائه . بيان الملازمة :
إن كل ما كان بقضاء اللّه ، فإنه يجب الرضا به ، فذلك مجمع عليه بين الأمة . ثم نقول :
الدليل عليه أيضا : القرآن والخبر والأثر .
أما القرآن : فقوله تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
« 1 » .
وأما الأخبار فكثيرة : أحدها : ما روى سعد بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سعادة ابن آدم استخارة اللّه ، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى اللّه ، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة اللّه ، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى اللّه « 2 » » . وثانيها : ما روى عبد اللّه بن عمر :
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « اللهم أني أسألك الصحة والعفة والأمانة والأمانة وحسن الخلق والرضاء بالقدر » « 3 » وثالثها : ما روى عبد اللّه بن شداد قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهم رضني بقضائك ، وبارك لي في قدرك ، حتى لا أحب تأخير ما عجلت ولا تعجيل ما أخرت » « 4 »
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب الآية 36 .
( 2 ) رواه الترمذي في القدر باب ما جاء في الرضى بالقضاء ( 4 / 455 رقم 2152 ) وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ويقال له حماد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم المدني وليس هو بالقوي عند أهل الحديث » ورواه أيضا الحاكم ( 1 / 518 ) .
( 3 ) عزاه السيوطي في الجامع الصغير للطبراني والبزار عن ابن عمرو . قال الهيثمي فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف الحديث وبقية رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح » ( فيض القدير 2 / 139 ) .
( 4 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ لكن روى نحوه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يكثر أن يقول : اللهم اجعلني أخشاك حتى كأنني أراك أبدا . . . وخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجّلت . . » قال الحافظ الهيثمي بعد إيراده : وفيه إبراهيم بن خيثم بن عراك وهو متروك » ( مجمع الزوائد 10 / 181 . وانظر فيض القدير للمناوي 2 / 141 - 142 ) .