إن طلب الهداية إنما يحسن إذا كان العبد يصح منه أن يهتدي بهداه . إذ الهدى هو الدلالة والبيان « 1 » . ولا يجوز المراد بقوله :
اهْدِنَا
أي اخلق لنا الإيمان لأن الهدى في اللغة عبارة عن الدلالة والبيان ، لا عن خلق العلم . بدليل قوله تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ . فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
« 2 » .
قال أهل السنة والجماعة : هذه الآية من أدل الدلائل على مذهبنا من وجهين :
الأول : إنه لا يمكن حمل هذه الهداية على البيان والدلالة . لأن اللّه تعالى قد فعل ذلك .
فلو حملنا هذا الدّعاء عليه ، كان هذا طلبا لتحصيل الحاصل . وهو باطل . بل الهدى عبارة عن الدلالة بشرط أن تكون تلك الدلالة مفضية إلى المقصود ، وذلك إنما يكون بخلق العلم والمعرفة . ولا يقال : فهذا يقتضي أن لا يكون الإيمان حاصلا لهم في الحال . لأنا نقول : هذا غير لازم . وبيانه من وجهين :
الأول : قال بعض المفسرين : المراد بقوله « اهدنا » : أي ثبتنا على هذه الهداية الحاصلة في الحال . وإليه الإشارة بقوله تعالى :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
« 3 » والثاني : أن يكون المراد : اهدنا إلى معرفة قدسك وجلالك وكبريائك . فإنه لا نهاية لهذه المعرفة .
هامش
( 1 ) راجع مادة هدى في لسان العرب لابن منظور 6 / 4638 - 4642 ) . قلت : والعودة إلى المعنى اللغوي غير كاف لأن البحث ليس عن هداية عامة يتساوى فيها البشر وإنما عن هداية خاصة لفئة منهم من قبل « الهادي » سبحانه وتعالى ، فالمعنى إذا معنى شرعي للفظة . والهداية في القرآن الكريم على أنواع :
الأولى : التي عم بجنسها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف الضرورية بل وكل حيوان .
الثانية : الهداية التي جعل للناس بدعائه لا إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآنوَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا.
الثالثة : الهداية الخاصة والتوفيق للإيمان عند أفراد مخصوصين . سواء كانت هذه الهداية هي الهداية الأولى أو كانت زيادة هدايةوَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً-فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ-وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ-وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا-وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
الرابعة : الهداية في الآخرة إلى الجنةالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذاأدللنافَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِوالبحث والخلاف إنما هو في الهداية الثالثة . وقد اختص اللّه عز وجل بها ونفاها عن غيرهإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ-لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ- .
والهداية في القرآن الكريم تقابل الإضلال . فلا يصار في تفسيرها إلى المعنى اللغوي من البيان والدلالة التي تعم كل الناس . ولعله لهذا السبب قال بعض المعتزلة باللطف . راجع في هذه المسألة : مفردات الراغب ص 538 ؛ مقالات الإسلاميين للأشعري 259 ؛ مجرد مقالات الأشعري 102 ؛ التوحيد للماتريدي ص 300 ؛ أصول الدين للبغدادي ص 140 ؛ الإرشاد للجويني 189 ؛ المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى 133 ؛ الإنصاف للباقلاني ص 226 ؛ لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية للسفاريني 1 / 334 .
( 2 ) سورة فصلت الآية 17 .
( 3 ) سورة إبراهيم الآية 27 .