النوع الثاني من وجوه تمسكهم بالقرآن
أن قالوا : القرآن من الباء من « بسم اللّه » إلى السين من قوله : « من الجنة والناس » ناطق بفساد مذهب الجبر . ونحن نشرح ذلك في سورة الفاتحة . ليقاس عليه الباقي . ورتبناه على فصول :
الفصل الأول في المباحث المستنبطة من قولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم « 1 »
قالوا : هذا يدل على بطلان القول بالجبر من وجوه :
الأول : إن قولنا : « أعوذ » ؛ اعتراف بكون العبد فاعلا . ولو كان فعل العبد مخلوقا للّه تعالى ، لامتنع كونه فاعلا ، للاستعاذة . لأن تحصيل الحاصل محال ، لأن اللّه تعالى إذا خلق ذلك الفعل ، لم يقدر العبد على الامتناع منه ، وإن لم يخلقه اللّه تعالى فيه ، استحال منه الإقدام على تحصيله . فثبت : أن قوله : « أعوذ » : اعتراف بكونه موجدا لأفعال نفسه .
الثاني : إن الاستعاذة باللّه ، إنما تعقل ، لو لم يكن اللّه هو الفاعل للأمور التي منها يستعاذ .
أما إذا كان الفاعل لها هو اللّه تعالى ، امتنع أن يستعاذ به تعالى من تلك الأفعال . لأنه يصير كأنه استعاذ باللّه ، من اللّه ، في الفعل الذي فعله اللّه تعالى .
الثالث : إن إقدام العبد على الاستعاذة من المعاصي ، يدل على أن العبد غير راض بها .
ولو كانت المعاصي مخلوقة للّه تعالى ، لزم أن لا يكون العبد راضيا بقضاء اللّه . وذلك كفر .
الرابع : إن الاستعاذة باللّه من الشيطان ، إنما تعقل لو كانت الوسوسة فعلا للشيطان . أما إذا كانت فعلا للّه تعالى ، ولم يكن للشيطان فيها أثر . فكيف يعقل أن يستعاذ من شر الشيطان ؟ .
الخامس : إن لفظ « الشيطان » مشتق . إما من شطن ، وهو البعد . أو من شاط ، وهو
هامش
( 1 ) المسألة برمتها مذكورة في التفسير الكبير للرازي ( 1 / 68 ) .