واعلم : أنه لما رجع حاصل الاستدلال بهذا الخبر إلى هذا الحرف . فنقول : هذا الحرف حاصل ، بدون التمسك بهذا الخبر . لأن القرآن دل على أنه تعالى أخبر عن بعضهم ، أنه لا يؤمن . حينئذ يتم هذا الاستدلال ، من غير حاجة إلى التمسك بهذا الخبر . ويمكن أن يقال :
فائدة هذا الخبر : أن يعلم أن الاستدلال بمثل هذه الحجة منقول عن أكابر الأنبياء - عليهم السلام - وذلك من أعظم الفوائد . واللّه أعلم .
الحجة الثانية : روى أبو داود في سننه « 1 » ، بإسناده ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن عبد ، حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا اللّه . وأني رسول اللّه بعثني بالحق . ويؤمن بالبعث بعد الموت . ويؤمن بالقدر » وزاد بعضهم : « خيره وشره » .
قال الإمام الداعي إلى اللّه ، فخر الملة والدين ، محمد الرازي ، ختم اللّه له بالحسنى : هذا الترتيب موافق لكتاب اللّه . وذلك لأنه تعالى فصل أحوال الفرق الثلاثة في أول سورة البقرة .
وهم المؤمنون والكافرون والمنافقون . ثم ابتدأ بدلائل التوحيد ، فقال :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
ثم ثنى بدلائل النبوة فقال :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا
ثم ثلث بأمر البعث والقيامة ، فقال ؛
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ : أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ
ثم ربع بأمر القدر ، فقال :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
فصارت الأمور الأربعة المذكورة في الخبر ، هي الأمور المذكورة في أول كتاب اللّه تعالى بذلك الترتيب من غير فرق .
إذا عرفت هذا فنقول : لا نسلم أن المراد بالقدر : الخلق ، بل لفظ القدر ، قد يستعمل أيضا في الكتابة . قال الشاعر :
واعلم : بأن ذا الجلال قد قدّر * في الصحف الأولى ، التي كان سطر
ويستعمل أيضا في الحكم . قال تعالى :
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ
« 2 » وفي آية أخرى :
قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ
« 3 » أي حكمنا بذلك ، فلم قلتم : إنه ليس المراد من القدر المذكور في هذا الخبر ، هو الكتابة ؟ فإنه تعالى كتب جميع الكائنات في اللوح المحفوظ ، أو نقول :
لم لا يجوز أن يكون المراد منه : الحكم أو العلم . فإنه تعالى علم بجميع الجزئيات على التفصيل التام ؟ .
والدليل على صحة هذا التأويل : ما روى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « سبق علم اللّه
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه الترمذي في القدر باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره عن علي رضي اللّه عنه مرفوعا باللفظ المذكور ( 4 / 452 رقم 2145 ) وليس في سنن أبي داود كما ذكر الرازي رحمه اللّه إلا أن الترمذي رواه عن محمود بن غيلان : حدثنا أبو داود قال أنبأنا شعبة عن منصور عن ربعي بن خراش عن علي رضي اللّه عنه . والحديث رواه أيضا ابن ماجة في سننه في المقدمة باب في القدر ( 1 / 32 رقم 81 ) وأحمد ( 1 / 97 و 133 ) والحاكم في المستدرك ( 1 / 33 ) .
( 2 ) سورة النمل الآية 57 .
( 3 ) سورة الحجرة الآية 60 .