ولو كان حصول العلم والمعرفة بخلق اللّه ، لم يبق لهذا التعجب معنى . لأن السبب في أن لا تحصل هذه المعرفة على قول من يقول خالق أعمال العباد هو اللّه : هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها . وذلك يبطل هذا التعجب . فلما حصل هذا التعجب ، دل ذلك على أن العلم والمعرفة إنما يحصلان بإيجاد العبد .
الثاني : إنه تعالى قال بعد هذه الآية :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
وجه الاستدلال به : أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية . ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه بقوله :
قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وأضاف السيئة في آخر هذه الآية إلى العبد بقوله :
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
ولا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين . ولما كانت السيئة بمعنى البلية والمحنة ، مضافة إلى اللّه تعالى ، وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية ، مضافة إلى العبد ، حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين .
ولا يقال : هذا مدفوع من وجهين :
الأول : إن بعضهم قرأ
فَمِنْ نَفْسِكَ
« 1 » ؟ .
الثاني : إنه تعالى أضاف الحسنة إلى نفسه ، حيث قال :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
تعالى ، وعند المعتزلة : أن الطاعات والمعاصي كلها من العباد . لأنا نقول : أما الأول . فجوابه :
من وجهين :
الأول : إن هذه القراءة مهجورة مردودة ، وأنها جارية مجرى تغيير القرآن على سبيل التصحيف والتحريف . وهي طريقة مذمومة .
الثاني : إن القراءة التي تمسكنا بها ، لا يمكن الطعن فيها . فإنها متواترة . وهي تدل على قولنا . وإذا ثبت ذلك فنقول : هذه القراءة الشاذة . إن كانت منافية لتلك القراءة المتواترة ، وجب القطع بكونها مردودة ، وإن لم تكن منافية لها ، فهي لا تضرنا في هذا الجواب .
هامش
( 1 ) أي : أفمن نفسك على سبيل الاستفهام . والألف مضمرة . وهو قول مروي أكثر من كونه وجها أو قراءة شاذة . قال الشوكاني : « وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة أي : أفمن نفسك ؟ . ومثله قوله تعالىوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّوالمعنى :
أو تلك نعمة ؟ ومثله قولهفَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ : هذا رَبِّيأي : أهذا ربي ؟ ومنه قول أبي خراش الهذلي :رموني وقالوا يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم ؟أي أهم هم . وهذا خلاف الظاهر » ( فتح القدير 1 / 489 ) وقد حكى هذا الوجه ابن الأنباري ( راجع أيضا البحر المحيط 3 / 301 ) .
والعجب أن الرازي في التفسير يذكر أن القراءة ( فمن تعسل ) قال : وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرءوا ( فمن تعسك ) فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريق الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن » ( التفسير الكبير 10 / 190 ) والأرجح أن القراءة هكذا هي المقصود في كتابنا في القدر لكونه لم يذكر إضمار الألف ولكونه قال : قراءة مهجورة مردودة وجارية مجرى تغيير القرآن على سبيل التصحيف والتحريف ؛ وهذا يناسب كلمة تعسك أكثر واللّه أعلم .