ذكرها في الحجة الأولى . فالذي نزيده هاهنا أن نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد كونه رضيا في الخلقة والصورة . وهو كونه تام الخلقة ، صحيح الحواس ، كامل العقل ، شديد القوة ، طلق الوجه ، حسن الصورة ، موصوفا بالأخلاق الحميدة ، محبوبا بين الناس ؟ وكل ذلك من أفعال اللّه تعالى .
والجواب : إن مقدمة الآية هي قوله :
يَرِثُنِي ، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
« 1 » وهذه الوراثة هي وراثة الدين والنبوة ، لا وراثة المال . ويدل عليه وجهان :
الأول : إن جمهور المفسرين قالوا بذلك .
والثاني : إن عمل مبالغة الرسول المعصوم وهو زكريا عليه السلام على حفظ مصالح الدين ، أولى من عمله على حفظ مصالح الدنيا ، فثبت : أن المراد من قوله « يرثني ويرث من آل يعقوب » وراثة الدين والنبوة . ثم إنه تعالى قال بعد :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
فوجب أن يكون مراده منه : كونه رضيا في الدين . ولأن حمل اللفظ المجمل على المذكور السابق ، أولى من حمله على الشيء الأجنبي .
الحجة الخامسة : قوله تعالى :
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ : رَأْفَةً وَرَحْمَةً
« 2 » ويقرب منه : قوله تعالى :
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
« 3 » ولا شك أن تلك المودة والرحمة من الطاعات العظيمة . فدل ذلك : على أن طاعات العباد مخلوقة للّه تعالى .
الحجة السادسة : قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ : عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
« 4 » ونظيره قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ : عَدُوًّا . شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
« 5 » .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : الحكم بكون أولئك المجرمين ، أعداء لذلك النبي ؟ فنقول : المراد : أنه تعالى لما خصص الرسل بالكرامات الفائقة ، والفضائل العظيمة ، التي بسببها يحسدهم الكفار ، ويعادونهم ، صار كأنه تعالى هو الذي جعلهم أعداء لأولئك الأنبياء ، وإليه أشار المتنبي بقوله :
أزل حسد الحساد عنّي بكبتهم * فأنت الذي صيرتهم ليس حسدا « 6 »
ثم الذي يدل على أنه لا بد من المصير إلى هذه التأويلات : جميع الآيات الدالة على أنه
هامش
( 1 ) سورة مريم الآية 6 .
( 2 ) سورة الحديد الآية 27 .
( 3 ) سورة الروم الآية 21 .
( 4 ) سورة الفرقان الآية 31 .
( 5 ) سورة الأنعام الآية 112 .
( 6 ) ديوان المتنبي .