تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
هذه الفتوى بقوله :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟
وهذا الاحتجاج لا يصح ، إلا إذا قلنا : إنه تعالى خالق لأعمال القلوب . وكل من كان خالقا لأعمال القلوب ، كان عالما بها ، فتصير هذه الآية بهذا الطريق دالة على صحة تلك الفتوى . وعلى هذا الوجه تكون الآية دالة على كبرى هذا القياس ، وتكون الصغرى محذوفة « 1 » . فلو لم نضمر هذه الصغرى ، لم يكن قوله :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟
مناسبا لتقرير ذلك المطلوب ، وحينئذ يفسد نظم كلام اللّه تعالى . وذلك محال . فثبت : أنه لا بد من إضمار تلك الصغرى . وهي قولنا : إنه تعالى خالق لأعمال القلوب ، ثم نضم إليها قوله :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟
ومتى أضمرنا تلك الصغرى ، كان ذلك تصريحا بأنه تعالى خالق لأفعال القلوب . والوجه الثاني في الاستدلال بالآية : إن قوله :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟
استفهام على سبيل الإنكار . وذلك يدل على أن كل من خلق شيئا ، فإنه يجب أن يكون عالما به . والعقل أيضا يدل على صحة هذه المقدمة . وذلك لأن وقوع ذلك المخلوق على ذلك العدد الخاص ، والمحل الخاص ، والوقت الخاص ، مع جواز وقوعه . على خلاف تلك الوجوه ، لا يكون إلا لأجل أن مخصصا خصصه به . والقصد إلى التخصيص مشروط بالعلم به . فثبت : أن الخالق للشيء يجب كونه عالما به ، لكن العبد غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه - على ما قررناه في باب الدلائل العقلية ، فوجب أن لا يكون العبد خالقا لأفعال نفسه . فإن قيل : أما الكلام على الوجه الأول . فهو أن نقول : إن قوله :
أَ لا يَعْلَمُ ؟
: فعل . وقوله :
مَنْ خَلَقَ
: يحتمل أن يكون فاعلا لذلك الفعل . وحينئذ يجب أن يضمر المفعول . ويحتمل أن يكون مفعولا . وحينئذ يجب أن يضمر الفاعل . فعلى التقدير الأول يكون معنى الكلام : ألا يعلم من خلق مخلوقه ؟ وعلى التقدير الثاني يكون معنى الكلام : ألا يعلم اللّه من خلق ذات الصدور ؟ فلم قلتم : إن التقدير الأول : أولى ؟ لأن على التقدير الثاني تكون الآية أيضا في أن خالق ذات الصدور : غير اللّه . والجواب : النحويون بينوا أن تعلق الفعل بالفاعل كالشئ الضروري ، وتعلقه بالمفعول ليس كذلك . ولذلك فإن الفعل بدون الفاعل لا يوجد ، وبدون المفعول قد يوجد . وعلى التقدير الذي ذكرناه : يكون المذكور هو الضروري ، ويكون المتروك غير الضروري . وعلى التقدير الذي ذكرتم : يكون الأمر بالعكس . ولا شك أن الأول أولى . وأيضا : فقد بينا أن الاستدلال حاصل بالآية من وجهين : وعلى التقدير الذي ذكرتم يصح الوجه الثاني من
هامش
( 1 ) القياس هو قياس من الشكل الأول : فالمقدمة الصغرى هي : اللّه سبحانه خالق لأعمال القلوب . والكبرى هي : كل من كان خالقا لأعمال القلوب كان عالما بها . والنتيجة هي : اللّه عالم بأعمال القلوب .