تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
الشافي المعافي ، ولا يهلك جبارا مستكبرا من غير سبب ، لأنه عز وجل رؤوف رحيم به ، بل لأنه المنتقم الشديد البطش القهار ، فعند ما يغفر سبحانه للعاصي بدعاء الشفيع فلأن رحمته سبقت غضبه لمقتضيات في نفس المشفوع له ، وليس من حقنا البحث عنها ، فقد يرحم عز وجل لنية المرء لا لعمله ، فموضوع الشفاعة مستثنى عن قانون العقاب الذي يتناول المجرمين الذين قطعوا علاقاتهم الروحية بالله وبرسوله وأولياء النعم عليهم السّلام ، فقانون العقاب سار على كل العصاة إلا البعض من عبيده ، وهل يحق لنا أن نسأله عز وجل : لم غفرت لبعض دون بعض ؟ كلا
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( الأنبياء / 24 ) . فالشفاعة فرع الاعتقاد بالله وبما أنزله على رسوله الأمين محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فهذا الاعتقاد هو المصحح للشفاعة والموجب للمغفرة بدعاء الشفيع ، والشاهد على ما قلنا قوله تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
( الأنبياء / 29 ) ، فأثبت الشفاعة على من ارتضى ، وقد أطلق الارتضاء من غير تقييد بعمل ونحوه كما في قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
( طه / 110 ) ، ففهمنا أن المراد به ارتضاء أنفسهم أي ارتضاء دينهم لا ارتضاء عملهم ، فبذا تكون هذه الآية موضّحة لآيات الجزاء على السعي والعمل ، أو مخصصة لها بمعنى أن اللّه يجازي على السعي إلا فئة معينة يجازيها لاعتقادها الصحيح . قال تعالى :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 86 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 87 ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
( مريم / 84 - 86 ) ، « فهو يملك الشفاعة ( أي المصدر المبني للمفعول ) وليس كل مجرم بكافر محتوم له النار ، بدليل قوله تعالى :
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 75 ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى
( طه / 76 ) ؛ فمن لم يكن مؤمنا قد عمل صالحا فهو مجرم سواء كان لم يؤمن ، أو كان قد آمن ولم يعمل صالحا ، فمن المجرمين من كان على دين الحق لكنّه لم يعمل صالحا وهو الذي قد اتخذ عند اللّه عهدا لقوله تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 61 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
( يس / 61 - 62 ) ، فقوله تعالى :
وَأَنِ اعْبُدُونِي
عهد بمعنى الأمر وقوله تعالى :
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
عهد بمعنى الالتزام لاشتمال الصراط المستقيم على الهداية إلى السعادة والنجاة . فهؤلاء قوم من أهل الإيمان يدخلون النار لسوء أعمالهم ، ثم ينجون منها