تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
العلم والفلسفة إلّا بعد عدّة قرون . وليس من الغريب ممن لم يطّلع على حكمة الأئمة عليهم السّلام وأقوالهم ، أن يحسب أن هذا القول - وهو الأمر بين الأمرين - من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخرين . وقد سبقهم إليه أئمتنا قبل عشرة قرون . فقد قال إمامنا الصادق عليه السّلام لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة ( لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين ) . ما أجلّ هذا المغزى وما أدقّ معناه . وخلاصته : أن أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية . وهي تحت قدرتنا واختيارنا ، ومن جهة أخرى هي مقدورة للّه تعالى وداخلة في سلطانه ، لأنه هو مفيض الوجود ومعطيه . فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي ، لأن لنا القدرة والاختيار فيما نفعل ، ولم يفوّض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه ، بل له الخلق والحكم والأمر ، وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد . وعلى كل حال ، فعقيدتنا إن القضاء والقدر سرّ من أسرار اللّه تعالى ، فمن استطاع أن يفهمه على الوجه اللائق بلا إفراط ولا تفريط فذاك ، وإلّا فلا يجب عليه أن يتكلّف فهمه والتدقيق فيه لئلا يضل وتفسد عليه عقيدته ، لأنه من دقائق الأمور بل من أدقّ مباحث الفلسفة التي لا يدركها إلا الأوحدي من الناس ، ولذا زلّت به أقدام كثير من المتكلمين . فالتكليف به تكليف بما هو فوق مستوى مقدور الرجل العادي ، ويكفي أن يعتقد به الإنسان على الإجمال اتباعا لقول الأئمة الأطهار من أنه أمر بين الأمرين ليس فيه جبر وتفويض . وليس هو من الأصول الاعتقادية حتى يجب تحصيل لاعتقاد به على كل حال على نحو التفصيل والتدقيق .

تمهيد :

مسألتا القضاء والقدر من أمّهات العقائد الكبرى الواردة في الكتاب والسنة المطهّرة ، حيث يعدّ منكرهما كافرا بما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وقد أخذ حيّزا هاما في بحوث مفكري الإسلام مما أدّى إلى تشعّب الآراء بشأنهما إلى ثلاثة .