تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
ما وصلتم إليه علم متعلق بالمعلوم على ما هو به ، بل هو جهل ظننتموه علما ؟ قلنا : ولو أنكر العلوم الحسابية منكر فما ذا يقال له ؟ أوليس يسفه في عقله ويقال له : هذا يدل على قلة بصيرتك بالحسابيات . فإن الناظر في الهندسة إذا حصر المقدمات ورتبها على الشكل الواجب يحصل العلم بالنتيجة ضرورة على وجه لا يتمارى فيه ، فهكذا جوابنا في المعقولات ، فإن المقدمات النظرية ، إذا رتبت على شروطها أفادت العلم بالنتيجة على وجه لا يتمارى فيه ، ويكون العلم المستفاد من المقدمات بعد حصولها ضروريا كالعلم بالمقدمات الضرورية المنتجة له . وإن أردنا أن نكشف ذلك لمن قلت بضاعته في العلوم فنضرب له مثالا هندسيا ، ثم نضرب له مثالا عقليا لينكشف له الغطاء وينجلى عن عقيدته الخفاء . أما المثال الهندسى فهو أن أقليدس « 1 » رسم في مصنفه في الشكل الأول من المقالة الأولى مثلثا ، وادّعى أنه متساوي الأضلاع ؛ ولا يعرف ذلك ببديهة العقل ، ولكنه ادعى أنه يعرف بالبرهان نظرا ، وبرهانه بمقدمات : ( الأولى ) أن الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى المحيط متساوية من كل جانب ، وهذه المقدمة ضرورية ، إذ الدائرة ترسم بالبركار « 2 » على فتح واحد ، وإنما الخط المستقيم من المركز إلى الدائرة هو فتح البركار ، وهو واحد في الجوانب . ( المقدمة الثانية ) إذا تساوت دائرتان بالخطوط المستقيمة من مركزهما إلى محيطهما فالخطوط أيضا متساوية ، - ضرورية . ( المقدمة الثالثة ) أن المساوى للمساوى مساو ، وهذه أيضا ضرورية . ثم الآن نشتغل بالمثلث ونشير إلى خطين منه ونقول : إنهما متساويان لأنها خطان مستقيمان خرجا من مركز دائرة إلى محيطها ، والخط الثالث مثل لأحدهما لأنه خرج أيضا من
هامش
( 1 ) أقليدس : عالم الحسابيات والهندسة . ( 2 ) البركار : آلة هندسية ذات ساقين لرسم الدائرة ، ( البيكار ) أو ( البرجل ) .